مفهوم 

اللانهاية والزمن والخلق

يتساءل بعض المتشككين في وجود خالق أزلي للكون بقولهم: ماذا كان يفعل الإله طوال هذه المدة اللانهائية قبل الخلق، ولماذا صدر قرار الخلق منه في تلك اللحظة وليس قبلها، ولماذا استغرق فعل الخلق هذا الوقت الطويل جداً بمراحله وتطوره حتى وصل إلى وضع الاستقرار وظهور الكائن الواعي الإنساني مع العلم أن الخالق يتصف بالقوة والقدرة المطلقة وقادر على الخلق فوراً بالصورة التي يريدها نهاية؟

ابتداءً هذا السؤال لا يصح نقاشه إلا بعد إثبات وجود الخالق ضرورة، لأن نفي وجود الخالق الأزلي ينقض السؤال و يُبطله، وطبيعي أن ينتفي عنه الجواب لأنه يصير عبثاً،  وأشبه بقول بعضهم: من وصل قبل أول واحد، أو: من أكل الكعكة التي لم أصنعها بعد؟ وأمثال تلك المقولات التي هي أُغلوطات وباطلة منطقياً، وطبيعي أن ينتفي عنها الجواب.

وموضوع إثبات وجود الخالق له منطق معين يقوم على الواقع والعلم، وفي حال ثبت وجوده يقيناً ينبغي تثبيت هذا المفهوم وعدم نقضه أثناء النقاش لقضايا أخرى سواء علمنا بتفاصيلها أم لم نعلم، ثبتت أو لم تثبت، فمفهوم إثبات وجود الخالق الأزلي يبقى يقيناً ولا يزول بالظن والإشكال والشبهات، والقاعدة التي ينبغي استصحابها في الدراسة و النقاش هي:  اليقين لا يزول بالظن، أو: الظن لايُبطل اليقين، أو: لايصح نقض اليقين أو الشك به لنفي علمنا بتفاصيل  تتعلق بالكيف، أو: اليقين الذي ثبت بالتعقل لا ينقضه نفي تصورنا له سواء لقلة علمنا  أم لخروجه عن دائرة التصور.

هذه المقولات تدل على بعضها وتصب في مفهوم واحد عقلاني منطقي ثابت ينبغي  الاعتماد عليه واستحضاره في الدراسات والنقاش وعدم تجاهله أو تغافله، وبناء الدراسة عليه أو النقاش وعدم السماح للطرف الآخر بإهماله أو تغافله أو القفز عنه إلى نقاش افتراضات ذهنية وتخيلات تخالف المفهوم اليقيني ابتداء، وينبغي إلزام الطرف الآخر بتثبيت اليقين والاعتماد عليه وعدم نقضهن وأن يكون النقاش حقيقيًا وواقعيًا وليس افتراضيًا وذهنيًا في عالم الخيال والهذيان.

لنناقش موضوع السؤال والشبهة التي عرضها هؤلاء، وننطلق من كونهم يُثبتون مفهوم اللانهاية في الوجود بداية واستمرارًا المعروف بالفلسفة باسم الأزلية والسرمدية.

وجواب سؤالهم يقوم على عدة نقاط:

الأولى: إثبات مفهوم الأزلية والسرمدية (اللانهاية) للخالق يُبطل سؤالهم: لماذا صدر قرار الخلق و بدأ في هذه النقطة وليس قبلها بكثير، وذلك لأن بدء الخلق على شريط اللانهاية في أي مرحلة سوف يبقى سؤالهم قائماً، وذلك لأن لو افترضنا أن الخلق بدأ قبل حصوله بالفعل بزمن مليار عام زمني أو مليارات المليارات…الخ، يبقى شيئاً محدودًا زمنياً وحادث بالنسبة لمفهوم اللانهاية ويبقى الاعتراض قائمًا في ذهن السائل بشكل افتراض خيالي منافي للمنطق، ولماذا صدر قرار الخلق وحصل في هذه النقطة وليس قبلها ؟!

الثانية: يقول العلم: إن الزمن ناتج عن الحركة التي هي بُعد للشيء، وهذا يعني تلازم وجود الحركة والزمن مع بدء وجود الشيء، وانتفاء وجود الشيء يقتضي انتفاء الحركة والزمن ضرورة.

وهذا يعني أن نقطة بدء الخلق في اللانهاية في أي مرحلة كانت نتج عنها ضرورة بشكل لازم لها الحركة والزمن النسبي المتعلق بها، وبدأ الزمن مع بدء حركة الشيء، ولا يوجد مفهوم للزمن قبل وجود الحركة، وبالتالي بطل قولهم: ماذا كان يفعل الإله طوال هذه المدة اللانهائية قبل الخلق، ولماذا صدر قرار الخلق منه في تلك اللحظة وليس قبلها؟ لانتفاء وجود الشيء وما يتعلق به من حركة و زمن، فمفهوم القَبل والبَعد هو أمر لازم لوجود الشيء الحادث، وعندما ينتفي وجود الشيء ينتفي مفهوم القبل والبعد والحركة والزمن، ولم يعد السؤال مقبولاً منطقياً.

الثالثة: يقول العلم: إن أصل الوجود الحادث هو طاقة، وأحد تجليات الطاقة هو صورة المادة وليس ذلك للحصر أو النهاية، كما أنه يقول: أي شيء يبلغ سرعة تحركه سرعة الضوء ينتفي عنه الكتلة والماهية ويتحول إلى ضوء، كما أنه يقول: عندما تبلغ سرعة الشيء سرعة الضوء أو فوقه يتوقف الزمن، ويصير الوقت صفرًا.

وهذا يعني أن وجود الأشياء المادية مهما كبرت وتوسعت و طال الزمن عليها(مليارات زمنية) ومهما مرت بمراحل التطور والفناء لصورة  ومجيء غيرها من الصور المادية  حتى استقر النظام الكوني على ما هو عليه، وظهرت الحياة الواعية المتمثلة بأرقى صورة بالإنسان، بالنسبة لمفهوم الطاقة وسرعة الضوء هي هُنَيهات زمنية متناهية في الصغر ويكاد تكون صفراً (توقف الزمن)، وهذا مقارنة شيء حادث (المادة) بشيء حادث (الطاقة)، فما بالك لو استحضرنا مفهوم الأزلية ( اللانهاية) الذي هو فوق الزمان والمكان.

الرابعة: قولهم: إن الخالق كُلي القدرة لماذا لم يخلق الوجود بالصورة النهائية فوراً واستغرق هذا الزمن الطويل لظهور الخلق وتطوره ؟

نقول: إن مفهوم الزمن وطوله وقصره ومفهوم القبل والبعد…الخ، هي كلها تتعلق بالشيء الحادث، والزمن يكاد أن يكون صفرًا بالنسبة للطاقة (الضوء) وهي شيء حادث، فما بالك مقارنة الزمن بمفهوم الأزلية (اللانهاية) ؟ المقارنة باطلة ومرفوضة قطعاً لانتفاء أثر الشيء الحادث في مفهوم الأزلية، فزمن فعل الخلق بهذا الشكل بالنسبة للخالق الأزلي هو صفر، وبالتالي سقط السؤال الذي يتعلق بطول الزمن لمخالفته الواقع والمنطق.

الخامسة: أما لماذا لم يتم الخلق فوراً على الوضع الراهن؟ فجواب هذا من وجهين:

الوجه الأول: إن بدء الخلق بكلمة كن التي حملت ضمنها أمر الخالق وسننه فكانت الطاقة المحكومة بسنن الخالق، وبدأ المشوار وظهور المشروع الإلهي كما هو ثابت في العلم كانت الطاقة أولاً(الطاقة المظلمة) ومنها ظهرت طاقات و حصل الانفجار العظيم ومنه تولد هذا الكون الكبير المتنامي والمتوالد من بعضه بشكل علاقات ثنائية، وتشكل الخلق تباعاً إلى أن استقر نظام الوجود على ما هو عليه وظهرت الحياة الواعية المتمثلة بالإنسان، فهذه الصورة للخلق هي صورة حيوية نامية حركية تدل على قدرة وإبداع وعلم وحكمة…الخ، بخلاف لو تم الخلق فوراً على الشكل النهائي لما ظهر مفعول أسماء الله الحسنى للعباد، مع العلم أن الخالق قادر على كل شيء وبكل شيء عليم.

الوجه الثاني: بما أن وجود الخالق الأزلي ثابت، وهو كُلي القدرة والعلم والحكمة…الخ، فهو فعَّال لما يُريد، ولا يصح أن يسأله أحد عن فعله أو يُملي عليه أو يقترح…الخ، مع علمنا يقيناً أنه حي قيوم صمدي و عليم حكيم، ولا يفعل شيئاً من منطلق العبث أو الحاجة قط، ولذلك نؤمن بأسماء الله الحسنى، ونهتم بما يتعلق بنا ودورنا في هذا المشروع الإلهي.

وبالتالي سقط اعتراض المشكك وظهر  عبث السؤال ولا منطقيته.