علاقة نشأة اللِّسان بالتعقل والتفكير

عندما تم النّفخ في الإنسان من الرّوح(1)،    ودخلت النفس في الجسم،  قام بعملية التّفاعل فطرة (فعل ورد فعل)،  وتفعَّل عنده السمع والبصر والفؤاد (جهاز الوعي والإدراك الثلاثي) وربط الأحداث بصُورة واعية،  وترتب على ذلك،  فعل الفقه،  والإدراك المُباشر للأشياء،  وهذه هي المرحلة التّعقلية،  السّابقة على وُجُود اللِّسان (اللغة)،  وتكون لأفعال النّفس من حيث الشُّعُور بالحزن والسّرور،  والضّحك والبكاء،  والحب والكره،  فهذه الأمور لا تحتاج إلى لسان،  ومفردات،  حتَّى يعقلها الإنسان في نفسه،  فهو يحب ويكره دون وجود مفردات لفظية،  وكذلك ربط الأحداث بمسبباتها المُباشرة الواضحة،  لا تحتاج إلى مفردات ولسان(2) –    أيضاً-    حتَّى يفهمها الإنسان،  فالإنسان يقوم بتعقل الأحداث بصُورة مُباشرة،  نحو إدراكه أن فعل الطّرق،  يحتاج إلى طارق،  أو لا بُدَّ من وُجُود طارق يقوم بالفعل،  وذلك مُرتبط بصفة التّمييز،  والتّحليل،  والتّركيب،  والرّبط،  التي هي من صفات التّعقل خَلقاً،  نتيجة النّفخة من الرّوح فيه،  وهذا الإدراك العقلي،  لا يحتاج إلى تفكير (دراسة وتجربة وتحصيل معلومات فهو مجرد فقه للأمور على ظاهرها من خلال الحواس.  

 إذاً،  فعل التّعقل الذي ينتج عنه الفقه والإدراك،  هو سابق عن ميلاد اللِّسان،  وولادة اللِّسان فعل لاحق لعملية التّعقل،  وهذه الولادة للِّسان ظهرت من خلال إصدار أصوات فطرية بمنزلة صُور حالية،  أو صوتية للأشياء،  أو الأحداث،  التي تجري من حول الإنسان،  أو معه،  وبناء على تفاعل الإنسان،  وتراكم أفعاله،  وصل إلى تدشين ما يُسمى أساس اللِّسان،  من حيث الأبجدية الصّوتية،  الكامنة في الكلمات ذات المقاطع الثّنائية بصُورة فطرية.

وفي هذه المرحلة،  لم تكن عملية التّفكير قد بدأت عند الإنسان،  لأنَّ التّفكير غير التّعقل،  إذ التّفكير عملية دراسة وتجربة وتقليم للمعلومات،  وفاعلية،  وحصول على أدوات تُستخدم في تسخير الأشياء للإنسان،  والتّفكير وظيفة هو نتاج لولادة المجتمع،  فعندما وُلِدَ المجتمع الإنساني في الجنس البشري،  زامن ذلك عملية بداية ظهور التّفكير عنده،  ضرورةً اجتماعية،  وهذا التّفكير،  لا يمكن أن يتم إلا ضمن حقل،  ومجال يستخدمه الإنسان في عملية الدّراسة،  وجدولة المعلومات وحفظها مستخدماً عملية التقليم،  فكان اللِّسان الفطري ذو المقاطع الثّنائية،  والأصوات الفطرية،  هما الأساس والحقل الذي استخدمه الإنسان في عملية التّفكير،  فاستجاب له نتيجة تفاعله معه،  فتم توسعه وظهور كلمات ذات مقاطع ثلاثية،  وصارت بمنزلة جسم يُمثل أفكار الإنسان،  وارتبطت مع الفكر والتّفكير بعلاقة جدلية،  كلما توسع التّفكير،  توسعت مفردات اللِّسان معه لتسعه،  وصارا كلاهما مظهراً من مظاهر المجتمع،  والتّقدم،  والتّطور،  ونتج عن التّفكير صفة الفاعلية والعلم،  ليُضافا إلى عملية التّعقل،  التي نتج عنها الفقه والتّفاعل،  ليحصل بين التّعقل،  والتّفكير علاقة جدلية،  التّعقل يوصل إلى التّفكير،  والتّفكير يُنَزّل المعلومات إلى التّعقل(1).

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [البقرة:  164].

{وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الرعد:3].

 

(1) كلمة (الروح) تدل على النظام السنني والشرعي،  وليس على الحياة،  وليست هي محل التوفي وإنما النفس.   {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا…  }الزمر42،  راجع كتابي (دراسة إنسانية في الروح والنفس والتفكير).

(2) انظر إلى درجات السلم الموسيقي كيف مؤلف من مقطعين صوتيين (دو،  ري،  مي…  ).

(1) راجع كتابي (دراسة إنسانية في الرّوح والنّفس والتفكير) فصل (يعقلون ويتفكرون).