مفهوم: ركع (الركوع)

كلمة (ركع) الراء، والكاف، والعين، تدلُّ على تكرار منقطع بصورة عميقة. وظهر ذلك المعنى في الواقع على وجهَيْن؛ أحدهما مادّي، والآخر معنوي.

أ- الوجه المادّي ظهر بصورة انحناء الإنسان بظهره على ذاته متجهًا نحو الأرض، سواء بقي واقفًا على قدَمَيْه، أم جثا على ركبتَيْه، فكلا الصورتَيْن تُسمَّى ركوعًا:

– قال تعالى: { وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص:24]، وفعل (§yz) يدلُّ على سرعة واستمرار عملية الرخاوة لفعل الركوع، إلى أن وصل إلى الأرض، لذلك قال المفسّرون: إن الركوع في هذه الآية هو السجود على الأرض، وهذا من باب تفسير الشيء بمآله، وليس دلالة الركوع هو السجود، فلكُلٍّ منهما دلالة مختلفة عن الأخرى، قال تعالى: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } [الحج:26].

وهذا النصّ صريح في ذِكْر حالات مادّيّة للناس وأفعالهم التي تصدر منهم في بيت الله الحرام، فإحدى هذه الحالات هي الطواف حول الكعبة، والأخرى القيام، وغيرها الركوع، والسجود.

ب- الوجه المعنوي للركوع هو اندماج الإنسان مع الناس في عملية تفاعله مع المجتمع بصورة سهلة ولينة، انظر إلى قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا } [الفتح:29].

فالإنسان المسلم سهل التعامل وسريع التفاعل والاندماج مع الناس، وصاحب مبادرة ومسؤولية، وذلك منضبط بحالة الخضوع لأوامر الله عزّ وجلّ (السجود) فهو صادق وأمين، ويحبّ الخير للناس، وهذه الحالة (السجود) تنعكس على وجهه، فتظهر سمة السرور، والابتسامة، والارتياح لمرأى الناس السعداء، وحزن وهَمّ لمرأى الناس المُصابين بالأمراض، أو المعاصي، وتظهر – أيضًا – من الوجهة التي يقصدها الإنسان في حياته وسلوكه:

قال تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ } [البقرة:43]. فالإنسان المؤمن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويندمج مع الناس الراكعين تفاعلًا، وتعاونًا، ومسؤولية؛ قال أيضًا: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ } [المائدة:55].

فالإنسان المؤمن يقيم الصلاة، ويؤدّي  جميع أنواع الأعمال التي تُطهّر نفسه من الشُّحّ، والبخل، والأنانية، والجشع، والطمع، فيبذل ويُعطي الناس من كلّ ما يملكه، ابتداءً من المال، والصحة، والقوة، إلى بذل العلم، ونشر الوعي، والثقافة، لأنَّ كلّ قوة يملكها الإنسان عليها زكاة، ولا يوجد إنسان لا يملك شيئًا. وهذا الإنسان المؤمن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، وهو في حالة التفاعل، وروح المبادرة والاندماج مع الناس الراكعين، والشعور بشعورهم من سرور وحزن (وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ).

قال تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ } [آل عمران:43].

توجيه للسيدة مريم – عليها السلام – أن تقنتَ لربّها، وتخضع لأوامره، وتتفاعل وتتعاون وتندمج مع الناس الراكعين. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [الحج:77].  يأمر الله – عزّ وجلّ – المؤمنين بالتفاعل، والتعاون، وروح المبادرة مع الناس، والمجتمع، وهم في حالة خضوع لأوامر الله (الواجب، والحرام، والحلال، والمنفعة للناس)، (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ).

وينبغي ملاحظة أمر على درجة من الأهمية، وهو قوله تعالى: (وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ) فالركوع المعنوي لا يمكن أن يمارسه الإنسان وحده، بل؛ لا بد من محلّ لظهور التفاعل، والتعاون، وروح المبادرة، والاندماج، وهو المجتمع الإنساني، والأمر الإلهي الآخر هو أن الركوع للمؤمن يجب أن يكون مع أمثاله من المؤمنين الراكعين، لا مع المفسدين، والإرهابيين، والمجرمين.

2020-07-29T23:17:57+03:00

اضف تعليقا