رد على أسئلة تتعلق باختلاف التلاوات ومشروعيتها
كتب صديقي “كمال أحمد” منشور يتضمن مجموعة أسئلة مشروعة في موضوع التلاوات واختلافها ومشروعية وجودها من الأصل.
وسوف أقوم بالرد عليها تحت كل سؤال وأضع حرف جيم للدلالة على الجواب
إن مسألة القراءات أو التلاوات كما يحلو للبعض تسميتها من أهم المسائل التي تؤرق الباحث في علوم القرآن الكريم و هي منطقة تسبب للكثير الارتباك و أنا شخصيًا منهم.
و القرآن قد انفرد بتلك الخاصية خلافا لكل الكتب المقدسة الأخرى فلن تجد عدة نسخ مختلفة من التوراة أو الدامابادا أو المهابهارتا أو غيرهم على حد علمي.
و هناك العديد من الاسئلة التي تلوح في الأفق عند الخوض في تلك المسألة الشائكة. و نود طرح تلك الأسئلة هنا في المنتدى للرد عليها.
ج- قولك: (و القرآن قد انفرد بتلك الخاصية خلافا لكل الكتب المقدسة الأخرى فلن تجد عدة نسخ مختلفة من التوراة أو الدامابادا أو المهابهارتا أو غيرهم على حد علمي) .
هذا كلام غير صواب فمعروف اختلاف نسخ الإنجيل عن بعضها وعددها المهول، غير النسخ المستبعدة، وكذلك الاختلاف في نسخ التوراة ،.
واعلم يا صديقي
أن الكتب السابقة لم تصاغ بلسان عربي مبين ولم يتم حفظ المبنى لها كنص لساني، بينما القرءان تميز عن كل الكتب السابقة المنسوبة للسماء بأنه تم صياغته بلسان عربي مبين، وتم الاعتناء بحفظ المبنى وطريقة تلاوته وتتابع ذلك في الأمة كظاهرة ثقافية اجتماعية دينية، ولايوجد تعدد في نسخه قط ، إنما هو نسخة واحدة محل اتفاق بين الجميع عليها مع اختلاف جزئي في مجموعة تلاوة بعض الكلمات أو صياغتها لسانيا أو طريقة تشكيلها أو وجود بعض الضمائر في تلاوة وغيابها في تلاوة أخرى ، وكل هذا لايؤثر في مفاهيم القرءان الدينية أو أحكامه أو أخبار قصصه أو النصوص الكونية ، فلا يوجد بين التلاوات أي تناقض أو تضاد وإنما تجد تنوع في تسليط الضوء على بعض الزوايا من الحدث في تلاوة بينما تجد في تلاوة أخرى تسلط الضوء على زاوية أخرى وكل الزوايا كامنة في النصوص لمن يقرأ بوعي وتدبر.
-1ما هي القراءات و لماذا وُجدت بالأساس و كيف و ما هي التسمية الأصح ( القراءات أم التلاوات).؟
ج- الاسم الصواب هو التلاوات وليس القراءات رغم شيوعه وذلك للفرق بين فعل (تلى) الذي يدل على التتالي للأمور وراء بعضها، وفعل (قرأ) الذي يدل على التفكير والتحليل والتركيب والتدبر، ولايشترط للقراءة أن تكون من الصحف فيمكن أن تتعلق بالكون ذاته أو أي جزء منه.
– التلاوات هي وجود اختلاف في نقل تلاوة مجموعة من الكلمات أو الضمائر أو طريقة التشكيل بشكل محدد ومحصور في النص القرءاني ذاته، ولا يوجد تعدد نسخ للنص القرءاني.
– وجود هذه التلاوات المحددة والمعروفة كان من طريقة النقل والثبوت لها تلاوة صوتية إلى النبي متتابعة في الأمة كظاهرة ثقافية دينية، ووجود الشيء وثبوته قطعاً هو برهان على صواب وجوده كمادة أو حدث، فالتلاوات ليست اجتهاداً إنسانياً ولانتيجة اختلاف اللهجات أو ظهرت من احتمال تلاوة الكلمات في النص المخطوط دون تنقيط، لأن اختلاف التلاوات تم نقله تلاوة صوتية وتتابع كذلك ولم تظهر التلاوات من الخط واحتماله ، ولذلك ينبغي أن يصحح أي مخطوط على موجب التلاوة الصوتية المتتابعة في الأمة.
– وطالما التلاوات ثابتة في ذاكرة الأمة الحفظية وتمارسها تلاوة صوتية في ثقافتها وعبادتها بشكل متتابع دون انقطاع، فهذا يدل على صواب نسبة التلاوات للنبي ذاته وهو الذي تلاها على الناس في زمنه ومجتمعه وعنه تتابعت وانتقلت، وهذا يدل على أن مسألة ثبوت التلاوات أمر لايمكن نفيه لحصوله بشكل قطعي في تاريخ الأمة.
– وكل تلاوة منها كاف وشاف وحجة بذاتها ومحفوظة، وتغني عن غيرها لانتفاء وجود التناقض أو التضاد بينها، ونشأت التلاوات حسب طريقة نزول النص القرءاني مفرقاً خلال ثلاثة وعشرين عاماً ، وكلما كان ينزل سورة أو مجموعة من الآيات يتم إعادة تلاوة جزء سابق من النص القرءاني من قبل الوحي حتى يتم ربط اللاحق بالسابق وترتب النصوص ضمن السورة الواحدة وخاصة إن كانت من السور الطوال، غير مراجعة الوحي للنص القرءاني تلاوة مع النبي لما نزل سابقاً خلال العام كله، فبهذه الاحداث كان يتم نزول اختلاف تلاوة بعض الكلمات اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد أو تناقض، وبسبب هذا الحدث كان يوجد مجموعة من الصحابة يسمعون التلاوة التي نزلت بداية ، ويوجد مجموعة أخرى يسمعون التلاوة الجديدة لبعض الكلمات وتتابعت في المجتمع كذلك مع اقرار النبي لها، ولايوجد تلاوة أشد ثبوتاً من أخرى، فكل التلاوات الثابتة متتابعة في الأمة وانتشرت في الأمصار ، وربما انتشرت تلاوة أكثر من أخرى حسب اختلاف المهتمين بها في بلادهم، ونسبت مع الزمن كاسم لمن يقوم بتعليم الناس التلاوة للتميز بين التلاوات .
– سبب وجود التلاوات هو لتسليط الضوء على أمر كامن في الظل في تلاوة أخرى والعكس، ويستطيع المتدبر والذي ينظر للأمر من عدة زوايا ويوسع رؤيته أن يعلم الأمر في التلاوة الأخرى الموجود في الظل، والأمر أشبه بمسرح يُسلط الضوء على جزء منه مع عدم انتفاء الأجزاء الأخرى، والمشاهد الذكي يدرك وجود الأجزاء الأخرى في الظل، ولذلك كل تلاوة كافية وشافية وقائمة بذاتها لاتحتاج إلى غيرها ،
-2 كم عدد تلك القراءات.؟
ج- عدد التلاوات الثابتة في الأمة قد تصل إلى أربعة عشر تلاوة، وحفظ النص القرءاني يتم بالحد الأدنى بحفظ تلاوة واحدة، ويستطيع المسلم والباحث أن يعتمد في أمور دينه أو دراسته على أي تلاوة ثابتة متتابعة في الأمة ويُلزم نفسه بها دون نكير على غيره في حال اختار تلاوة أخرى.
-3 هل الإختلافات بين هذه القراءات إختلاف جذري يغير في بنية الآيات و هدفها و غايتها.؟
ج- الاختلاف بين التلاوات هو شيء يسير جداً لدرجة أنه قد لاينتبه له القارئ العادي، وهو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد أو تناقض، فالحرام حرام في كل التلاوات ، والحلال كذلك، والخبر المنفي منفي في كل التلاوات، والثابت ثابت فيها جميها.
-4هل هناك قراءة واحد أصح و ما هو المعيار الذي نحدد من خلاله تلك المسألة.؟
ج- لايوجد تلاوة ثابتة ومتتابعة في الأمة هي أصح من غيرها، فلو كان الأمر كذلك لكانت التلاوة الأخرى درجة ثانية وينتفي عنها المصدرية الربانية، واختيار تلاوة حفص ممن يهتم بالدراسات العددية دون غيرها إنما هو لقبولها نظريتهم العددية، وعدم قبول النظرية العددية في التلاوات الأخرى لاينفي صحتها أو قوة ثبوتها .
-5قال الإمام ابن الجزري: يرجع إختلاف القراءات إلى سبعة أوجه من الإختلاف لا يخرج عنها “،
ثم ذكر الخلافات فقال :
-1إما في الحركات بلا تغيُّر في المعنى والصورة : مثل (البُخْل)، و (البَخَل)
2-أو بتغير في المعنى : ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة : 37]
(فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ)
-3 وإما في الحروف بتغير المعنى لا الصورة مثل : ( تبلوا )، و( تتلوا)
-4 وإما في الحروف بتغير الصورة لا المعنى مثل : ( بسطة ) ، و ( بصطة) و(السراط ) و( الصراط )
-5 أو بتغيرهما نحو : ( أشد منكم ) ، و( منهم ) و ( يِأْتَلِ ) و( يَتَألَّى)
-6وإما في التقديم والتأخير، نحو ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: 111] ، أو (فيُقْتَلُونَ و يَقْتُلُونَ)
-7أو في الزيادة والنقصان نحو: (أوصى) و(وصى)
” فهذه سبعة أوجه لا يخرج الاختلاف عنها ، وأما نحو اختلاف الإظهار والإدغام ، والروم والإشمام ، والتفخيم والترقيق ، والمد والقصر ، والإمالة والفتح ، والتحقيق والتسهيل ، والإبدال والنقل مما يعبر عنه بالأصول فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ والمعنى ؛ لأن هذه الصفات المتنوعة في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا …” أ.هـ ( النشر : 1 / 32 )
ج- قول الإمام ابن الجزري صواب، وهذا يدل على أن الاختلاف بين التلاوات هو اختلاف تنوع وجزئي وليس تضاداً ولاتناقضاً ولاكُلياً، ولايوجد تعدد في النص القرءاني وإنما هو نص واحد متماسك منسجم مع بعضه حتى باختلاف تلاوة مجموعة الأجزاء المحدودة، فهذا لايجعلها نصاً آخر غير النص القرءاني ذاته.
– يتابع صديقي كمال أحمد ويقول :
– يتابع صديقي كمال أحمد ويقول :
أليس فيما سبق إشكال ما و سأذكر مثال على ذلك
بعد مقتل عثمان امتنع أهل الشام عن مبايعة علي بن أبي طالب كخليفة وطالب معاوية بن أبي سفيان والي الشام بالقصاص من قتلة عثمان بصفته سيد بني أمية فهو ولي المقتول وله المطالبة بدمه وطالبه بتسليم قتلة عثمان من الموالين لعلي مثل عمرو بن الحمق الخزاعي ومحمد بن أبي بكر والأشتر النخعي .. ورفض علي طلبه وطالبه بالبيعة أولاً ثم لاحقاً تحرك فريق من أهل المدينة ضد علي مطالبين بدم عثمان بقيادة طلحة والزبير وعائشة بعد تأخر علي في تنفيذ القصاص وتمكن القتلة في مواقع القيادة في جيش علي ودارت معركة الجمل ثم صفين
و قد كان الذي يحتكم اليه معاوية الآية 33 في سورة الاسراء : {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً }الإسراء3، ويعني أن ولي المقتول له سلطة الأخذ بقصاص المقتول دماً بدم دون المبالغة في القتل فلا يتمادى بقتل أكثر من لم يشارك باليد في القتل ولا يقتل الواحد بإثنين وأكثر على سبيل المبالغة وهو ظاهر معنى “فلا يُسرف” أن تنفيذ القتل بيد ولي الدم وهي قراءة الجمهور من أهل الحجاز والشام والبصرة
أما أهل الكوفة مقر حكم علي ومعقل الموالين له وبسبب هذه الآية فقد انفردوا بقراءتها على نحو آخر فقرؤوها “فلا تُسرف” وهي قراءة عامة قراء الكوفة حمزة والكسائي وخلف والأعمش عدا عاصم فيقرأها مثل الجمهور.. و وجه الإختلاف عن قراءة الجمهور أنها بتاء المخاطب فتجعل الخطاب للرسول بصفته الحاكم وتجعل له سلطة القتل وتجعل سلطة ولي الدم في المطالبة فقط وهو ما يعني صحة موقف علي في مقابل دعوى معاوية وأصحاب الجمل.
والخلاصة
إن الخلاف بين أهل الكوفة والجمهور في قراءة “يُسرف” و”تُسرف” هي انعكاس لدعاوى الصراع بين علي وأهل الجمل وصفين
حيث أن قراءة “يُسرف” تجعل لمعاوية المطالبة بدم عثمان وسلطة تنفيذ القتل مباشرة
وعلى قراءة أهل الكوفة “تُسرف” يكون لولي الدم سلطة المطالبة فقط أما التنفيذ بيد ولي الامر وهو علي بن أبي طالب.
و هكذا تكون لعبت السياسة دور في إختيار القراءة و تطويعها للمصلحة الطائفية. و هناك أمثلة أخرى لا تخلو كذلك من هذا التلاعب.
ج- صديقي كمال المحترم
ثبوت التلاوات أمر منتهى منه قبل نشوء النزاع بين علي ومعاوية ، ولاعلاقة لهما بالتلاوات، والنزاع سياسي بينهما كما هو معروف وبصرف النظر عن صاحب الحق منهما، ألا تلاحظ يا صديقي أن النص الأول : {وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً }الإسراء3، كلمة( لايُسرف في القتل) لاتعني أن ولي أمر المقتول له سلطة تنفيذية في القتل، وإنما تعني أن لايُطالب بقتل غير القاتل ، وذلك لأن الشرع جعل له سلطان بمعنى قانون حق يقوم بالمطالبة من خلاله بتنفيذ عقوبة القتل من قبل السلطة القضائية، ولايعني ولابأي شكل أن يملك ولي أمر المقتول سلطة تنفذ عقوبة القتل بالقاتل من تلقاء نفسه.
أما النص الآخر بالتلاوة المختلفة في التشكيل( ولاتُسرف) فهي واضحة في خطابها للحاكم ( القاضي) أن لايقتل إلا من ثبت عليه القتل ولايأخذ أحد بجريرة غيره، وهذا يعني أن القتل لاينفذه ولي أمر المقتول وإنما يُنفذ القتل بحكم القاضي فقط.
ألا ترى أن المعنى في تلاوة ( لايُسرف) تخاطب ولي أمر المقتول وأن يتقيد بحكم القاضي والحجة معه بقوة القانون وسوف ينصره، وهذا المعنى كامن في تلاوة (لاتُسرف) الذي هو خطاب للقاضي نفسه بأن يتقيد بالقانون ولايقتل إلا القاتل ؟
هذا المثل والفهم هو دلالة كلمة إختلاف تنوع وليس تضاد ولاتناقض، وكل تلاوة حجة بذاتها ومستغنية عن غيرها، ولا يصح عد هذا الاختلاف في تلاوة الكلمتين تحريف أو تناقض أو تضاد، وبشرط أن تكون التلاوة متتابعة في الأمة وليس من استنتاج الناس الاحتمالي.
واعلم يا صديقي
إن ماسبق ذكره من تتابع التلاوات في الأمة هو برهان على ثبوت التلاوة للنبي نفسه وليس لله، يعني ثبوت تاريخي وليس ثبوت مصدرية النص القرءاني لله ، فهذا أمر آخر وله طريقة في الدراسة لاعلاقة لها بالتاريخ، ومطلوب من كل مجتمع أن يتفاعل مع النص القرءاني ويؤمن به بنفسه وفق علمه ومعطيات زمنه
أرجو أن أكون قد أجبتك بشكل مختصر عن معظم ما سألت، وسوف أضع روابط منشورات وكتابي لمن أراد التوسع بنقاش الموضوع.
اضف تعليقا