بنوة النبي إسماعيل بين الرفاعي وإسلامبولي

 بقلم : أنس زكي

ليس ثمَّة جديد في الاختلاف في مسألة: من هو الذبيح (إسحق أم إسماعيل) فهو خلاف قديم، ولكن الجديد والمفاجئ (بالنسبة لي) هو أن يكون النبي إسماعيل ليس ابناً للنبي ابراهيم (عليهم السلام جميعاً) فأثناء وبعد قرائتي لبحث الأستاذ “سامر إسلامبولي” لم أتقبل الفكرة، وبقيت أقلبها وأفكر بها بتعمق شيئاً فشيئاً حتى صارت الفكرة مقبولة، لا؛ بل هي الأقرب لتبنيها! قمت بالاطلاع على بحثين متناقضين في النتيجة مع أن مصدرهما واحد (القرءان)، البحث الأول للمهندس “عدنان الرفاعي” والثاني للأستاذ “سامر إسلامبولي”.

يصل الرفاعي في بحثه لنتيجة أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق (على غير ما ذهب اليه معظم المفسرين القدامى) ويؤيد الرفاعي ما هو شائع ومنتشر من أن إسماعيل هو ابناً لإبراهيم. على العكس من ذلك تماماً، يذهب الإسلامبولي الى أن الذبيح هو إسحاق (مؤيداً ذلك بتدبر قرءاني غير روائي، وموافق من حيث النتيجة قدامى المفسرين ) وزاد على ذلك أن اسماعيل ليس ابناً لإبراهيم! وبعد أن وقفت ملياً عند البحثين لمعرفة سبب التناقض بينهما مع أن كلاهما يتبع المنهج والمصدر ذاته عموماً، وكلاهما يقدم سيناريو يبدو متماسكاً، حتى أن سيناريو الرفاعي بدا بالنسبة لي في بادئ الأمر أكثر منطقية وانسجاماً من سيناريو الإسلامبولي.. فوجدت أن سبب هذا الاختلاف هو مفتاحين جوهريين في القصة: الأول: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ }الصافات101، “وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ” 112 الصافات، الثاني: ” الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء”39 إبراهيم … إن فهمك لهذه النصوص بطريقة مختلفة عن الأخرى، كفيل بأن يقلب القصة رأساً على عقب

بحث الرفاعي http://cutt.us/OyVL  ينطلق الرفاعي في بحثه السلس والانسيابي من الآية المفتاحية لفهم القصة كاملة (…وبشرناه بإسحق نبياً…) ويعد أن هذه البشرى بالنبوة لاعلاقة لها بما سبق من الكلام عن البشرى بولادة الغلام الحليم {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ }الصافات101، والغلام الحليم هو محل الرؤيا {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ }الصافات102، وليس هذا الغلام الحليم إلا النبي إسماعيل فهماً من نص الهبة ” الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء”39 إبراهيم.

{وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ }هود71، البشرى بولادة إسحاق أثناء زيارة الرسل (الملائكة) لإبراهيم، وهذا يعني أن النبي إبراهيم بشر مرتين بالولد بصفتين، الأولى الولد الحليم ، والثانية الولد العليم ، وبما أن الذبيح ليس إسحق بالضرورة، فمن هو غير إسماعيل إذاً؟

هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى لا يبذل الرفاعي جهداً في اثبات أبوة إبراهيم لإسماعيل، وذلك لأنه يعد أن الآية واضحة في إثبات الأبوة لإسماعيل وإسحق (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق.( فبناءاً على هاتين الآيتين ينسج الرفاعي سيناريو القصة مستعيناً ببقية الآيات التي بناها على هذا الفهم.

ولكن ماذا لو كان هنالك فهم آخر وأعمق لهاتين الآيتين؟ هذا هو الطريق الذي يسلكه الإسلامبولي: بحث الإسلامبولي : http://cutt.us/Ttf4I

صحيح أن البحث ليس بسلاسة وسهولة بحث الرفاعي إلا أنه أيضاً يعطي سيناريو متماسك، لكنه معاكس تماماً ، فبداية لايوجد ذكر لاسم النبي إسماعيل في قصة الرؤيا كلها، والبشرى بالغلام الحليم لاتدل على أنه النبي إسماعيل لعدم ذكر اسمه في القصة، ومن قال إنه إسماعيل فهم ذلك من نص الهبة ،     ونص(…وبشرناه بإسحق نبياً…) بُعيد قصة محاولة الذبح، يقول الإسلامبولي هنا بأن البشرى ليست بولادة الغلام (إسحق) بل هي بشرى ب ((نبوة)) إسحاق {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ }الصافات112 ، بمعنى أن هذه البشرى (نبوة إسحاق) هي بشرى ثانية متعلقة بحدث الرؤيا وهي مختلفة عن البشرى الأولى بولادة إسحاق مع وجود فارق زمني واضح بينهما يصل تقريباً إلى خمسة عشر عام مرحلة السعي كحد أدنى  “وبشرناه بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب”. وما يدعو الإسلامبولي إلى تبني هذا التفسير هو سياق الآية ذاتها، حيث صبر إسحاق أثناء امتحان محاولة الذبح وقدم الطاعة المطلقة امتثالاً للأمر فكانت مكافأته أن يكون نبياً (بشرى النبوة) إذ ليس من المنطق (حسب قول الإسلامبولي) أن يصبر إسماعيل وينجح بالامتحان ثم يكون الثواب هو بشرى بنبوة إسحاق! مع العلم أنه لايوجد في نص الرؤياً أي ذكر لاسم النبي إسماعيل أو مايدل عليه، من هنا يبدو منطقياً أن يكون إسحاق هو محل الرؤيا بالذبح الذي بُشر بالنبوة ثواباً على صبره.

ما الذي يدعو الإسلامبولي للقول بأن اسماعيل ليس ابناً لإبراهيم؟ وماذا يكون إسماعيل لابراهيم؟ يذهب للقول بأن إسماعيل هو من ذرية نوح وهبه الله تعالى لإبراهيم ليكون مؤازراً ومسانداً له في مرحلة كبر سن النبي إبراهيم لتنفيذ مهمة رفع قواعد البيت، ويشير الإسلامبولي الى معنى (وهب) ” الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ…” بأنها لا تعني حصراً هبة الولد بل هي كلمة تحتمل عدة معان من ضمنها المؤازرة والمساندة ” وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ” 53 مريم. السؤال المطروح هنا، ما المانع من أن يكون إسماعيل ابناً لإبراهيم كما هو إسحق؟ يشير الإسلامبولي الى أن إسماعيل وإسحاق وُهبا لإبراهيم في الفترة ذاتها وهي فترة شيخوخة النبي إبراهيم (على الكبر) مع ذلك تغيب الإشارة إلى ولادة إسماعيل على عكس إسحق، بالإضافة الى أن هنالك فارقاً عمريا ًكبيراً بين إسماعيل وإسحق، حيث كان إسماعيل رجلاً قوياً كونه كان يرفع قواعد البيت مع ابراهيم في حين لم يكن لإسحاق أية مساهمة في رفع قواعد البيت كونه كان وليداً جديداً. بمعنى، جاء إسماعيل الرجل اليافع إلى النبي إبراهيم الشيخ الكبير في الفترة ذاتها التي ولد فيها إسحاق “…الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحق …” ومن هنا لا يصلح أن نتخيل أن يكون مجيء إسماعيل كإبن لإبراهيم في مرحلة الكِبر ثم بعد ذلك يصير إسماعيل رجلاً يافعاً لتأتي البشرى بولادة إسحق من جديد. والإشارة القرءانية هنا هامة عندما يتحدث إبراهيم بصيغة الاثنين ” ((ربنا)) إني أسكنت من ((ذريتي)) بواد … ” فواضح من السياق أن اسماعيل كان بصحبة إبراهيم عندما غادرا سويا تاركين إسحاق (ذرية ابراهيم) مع أمه لوحدهما.. ، وهذا يدل على أن البشرى بولادة غلام حليم و البشرى بولادة غلام عليم متعلقان بغلام واحد وهو إسحاق فقط وكل سورة ذكرت جزءاً من القصة وسلطت الضوء عليه و عند تجميع الأجزاء مع بعضها وتركيب عناصر القصة مع بعضها ووضع كل جزء مكانه يتبين لنا أن الغلام الحليم والغلام العليم هو الغلام ذاته ، ولم يذكر في القرءان كله أي نص صريح في بنوة النبي إسماعيل للنبي إبراهيم مثل ذكر بنوة النبي إسحاق للنبي إبراهيم ، والنص الذي ذكر النبي إسماعيل بين الآباء لايدل على النسب {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }البقرة133 ، فهذا النص يذكر آباء الإيمان و الثقافة بدليل أن إسماعيل ليس أباً للنبي يعقوب مما اضطروا إلى القول إن العم هو صنو الأب وبالتالي ذكر مع الآباء ، بينما نجد أن النبي يوسف عندما ذكر آباءه لم يذكر النبي إسماعيل {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ… }يوسف38، ويستمر الإسلامبولي في حياكة السيناريو بتفاصيل دقيقة مذكورة في البحث بشكل أكثر تفصيلاً.. ليخلص أن إسماعيل ليس ابناً لإبراهيم وأن الذبيح هو إسحاق وأن النبي محمد هو من ذرية إسحق ابن النبي إبراهيم{وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ }الصافات112، {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ }يوسف38، وهذا لاعلاقة له باليهود فهي ملة وليس ديناً ، ولاعلاقة لها ببني إسرائيل فهي نسب لرجل صالح غير النبي يعقوب كما ذكر الإسلامبولي هذا  في بحث غيره.

أخيراً؛ تبقى المسألة اجتهادية وليست قطعية 100% فلربما يكون الباب مشرعاً أمام سيناريو ثالث ورابع للقصة.. ولكن في العموم، المسألة ليست تشريعية أو إيمانية بقدر ما هي معرفية، وسواء أكان النبي محمد من ذرية النبي إسماعيل أو النبي إسحاق فكلاهما نبيين كريمين، ومن يقول إن النبي محمد من ذرية  النبي إسماعيل وهو ابن للنبي إبراهيم فيرجع النسب إلى النبي إبراهيم نهاية وهو محل اتفاق بين الطرفين.

وهذا التدبر ينمي بشكل كبير مهارات الدراسة والتعمق في النص القراني، ما يكسب صاحبها مهارات الاستنباط والتدبر الذي نحن مأمورون به في الأساس وليس مجرد قراءة عابرة وتمتمات نسوقها على شفاهنا.

22/5/2015