بشرية النبيين والرسل للناس
بعث الله الرسل والنبيين للجنس الإنساني من جنسهم البشري، وهذا طبيعي لأن الناس لا تتبع إلا من هو من جنسها ليشعر بشعورهم وضعفهم واحتياجهم، وبالوقت ذاته يعلم المتبعون له أن أوامره مقدور عليها طالما هو ينفذها قبل غيره، وهذا ما أكده القرءان بالنص:
{قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلآئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً }الإسراء95
وهذا يعني نفي فكرة أن يرسل الله للجنس الإنساني نبياً أو رسولاً متعلق بالرسالة والدعوة و الإمامة للناس من غير جنس البشر، وتابع القرءان تأكيد فكرة أن النبي أو الرسول للناس هو من جنسهم البشري وليس مَلَكاً، لنقرأ:
{قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }إبراهيم11
حتى النبي الخاتمي “محمد بن عبد الله” أمره الله أن يقول للناس إنما هو كائن بشري مثلهم له حاجيات عضوية ونفسية كما له غرائز جسمية ونفسية، وبمرض ويموت ويأكل ويشرب ويتزوج النساء.
{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً }الكهف110
وانتبهوا إلى كلمة(مثلكم) ولم يأت بها حرف التشبيه(الكاف) لتصير (كمثلكم) ولو أتى حرف التشبيه الكاف لكان النبي ليس بشراً مثلنا وإنما يشبهنا بوجه فقط ويختلف بالوجوه الأخرى، وعندما أتت كلمة (مثلكم) دون حرف التشبيه أثبتت التماثل التام بالصفات البشرية بيننا وبين النبيين من حيث الجنس وما يترتب عليه من حاجيات وغرائز.
النبوة مِنَّة ومنحة من الله لبعض الناس نتيجة رقيهم الفكري وطهارتهم الأخلاقية فكانوا مؤهلين لحمل مقام النبوة اصطفاء من الله وليس اكتساباً ويصيرون نبيين بأمر من الله وينزل عليهم الوحي بالتكليف والاختيار لهم لهذه المهمة، ونزول الوحي عليهم لم ينف عنهم صفة البشرية وإنما أضاف لهم بُعد معنوي روحي متعلق بأنفسهم وليس بجسمهم الترابي، فمازالوا بشراً في معيشتهم ولكنهم يكيفون حياتهم وفق الروح التي نزلت عليهم فيرتقون بنفوسهم تزكية وطهارة.
فالنبي هو كائن بشري إنساني تميز عن الناس بنزول الروح عليه ، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }الشورى52 ، وهذا الروح يمكن أن يحمله؛ بل ينبغي أن يحمله كل الناس لأنه نزل لهم أصلاً ليكون نوراً يضيء لهم الظلمات ويزيلها و ليرتقوا به ويتطهروا ويكيفوا سلوكهم بحسبه.
أما نص : {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ …}النساء163
فجملة(كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ) لا تفيد عدم وجود نبيين قبل النبي نوح بدليل وجود الإنسان الواعي قبل النبي نوح وهذا يدل على وجود لهم من يقوم بفعل الإنذار والبشارة ضرورة لتحقيق دلالة اسم الله الحكيم الرحيم {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ }فاطر24، {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }النساء165، فالنص يدل على وجود الرسل مبشرين ومنذرين للناس ولم تخل أمة من ذلك قط، ورسل الدعوة والتعليم للناس هم من الناس ضرورة كما سبق وأثبتنا آنفاً، ومجيء كلمة( كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ) متعلقة بمادة الوحي وليس بنفي مجيء النبيين قبل النبي نوح، بمعنى أن مادة الوحي بهذا الشكل وهو بناء الدين الإسلامي توحيد وأخلاق وقيم والعمل الصالح بدأ من النبي نوح وتراكم نزولاً لمن بعده من النبيين مع المحافظة على أصل الدين وأساسه
{شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ }الشورى13، واكتمل بنزول القرءان{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً }المائدة3، فكان القرءان هو الكتاب المكمل والجامع لما سبق دون إلغاء لها وإنما احتواها وصار هو الكتاب المبين لها .
والنص الآخر الذي يستدل به بعضهم في وجود ملائكة كمبشرين ونذر قبل النبي نوح هو:
{فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ }المؤمنون24
وهذا النص لا يدل على إرسال ملائكة للناس كمنذرين ومبشرين قبل النبي نوح لعدة أمور منها:
– أثبت النص القرءاني أن الرسل المنذرين والمبشرين دعوة وتعليماً للناس هم من الناس ضرورة.
– الكلام في النص هو لسان حال الكافرين وليس كلام أقره القرءان، وبالتالي لا يشترط له الصواب .
– جملة (مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) أيضا هي لسان حال الكافرين وهي عادتهم في الحكم على الشيء من خلال الآبائية ونفي وصل الرواية التاريخية لهم ، وذلك مثل قوم فرعون عندما ردوا على النبي موسى،{فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ }القصص36، فعدم سماعهم أو استغرابهم هو لسان حال الكافرين وهذا ليس برهاناً على شيء وإنما برهان على أن عقلية الكافرين في كل زمان هي واحدة الاعتماد على الآبائية والرواية التاريخية للحكم على الفكر والمستجدات.
فالثابت بالقرءان هو أن الرسل المنذرين والمبشرين للناس قبل النبي نوح وبعده هم من جنس الناس وبشر مثلهم.
{يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ }النحل2
{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ }الزمر71
اضف تعليقا