هل يتصور الله الخلق قبل إيجاده

عندما يريد الإنسان أن يخلق شيئاً لابد من تصوره أولاً في ذهنه ومن ثم يبدأ بإيجاده وفق تصوره له، ولنقم بذكر المراحل التي يمر بها الإنسان عندما يخلق شيئاً.

الإرادة للشيء، التصور له عموماً، التصميم لهيئته التفصيلية، الإيجاد له على أرض الواقع خارج الذهن.

وهذا ما أطلق عليه الفلاسفة بقولهم: التصورات تسبق الموجودات، بمعنى التصور للشيء سابق عن وجوده.

وهذا الكلام صواب بالنسبة للناس ، فلا يستطيع أحد أن يوجد شيء قبل أن يتصوره بنفسه في ذهنه، ولكن هل هو صواب بالنسبة للخالق؟

هل الله عنده تصور للأشياء قبل الخلق ، بمعنى هل يقوم الله بتخيل وتصميم للشيء في نفسه ومن ثم يوجده في الواقع؟

والجواب هو بالنفي، لأن الخالق المدبر ليس مثل البشر المحدودين في قدراتهم ، فالتصور للشيء قبل الخلق هو عجز وقصور ، بينما الخالق عندما يريد أن يخلق فبمجرد أن تتعلق إرادته بشيء يكون الشيء في حيز الوجود خارج العلم موضوعياً، وهذا يعني أن المراتب الأربعة ( الإرادة، والتصور، والتصميم، والإيجاد) التي يمر بها البشر في الخلق تكون بالنسبة لله مجتمعة كلها بمرتبة واحدة متمثلة بكلمة (كن) فيكون الشيء وفق ما أراده دون أي فاصل زمني بين الإرادة والإيجاد، وهذا يعني أن الله لايوجد عنده تصور وتصميم للشيء كمراحل يمر بها قبل الخلق، وهذا يعني أنه لايوجد في علم الله تصورات وتصاميم مسبقة كنماذج للخلق قبل الوجود، وعلم الله الأزلي هو علم إلهي تجريدي وليس شيئياً، ويتعلق علمه بالشيء وهو بكل شيء عليم ولا يخفى عليه شيء، ويعلم الأمور الاحتمالية بمجرد ولادتها في حيز الوجود وتشيؤها ، وهذا يعني أن أفعال العباد ومصيرهم احتمالي ولم يتشيأ بعد ولم يدخل في حيز الوجود وبالتالي لا يتعلق العلم الإلهي به وعندما يتشيأ يكون ذلك في دائرة العلم الإلهي مباشرة ولا يتفاجاً الله به لأنه يعلم الاحتمالات كلها إحصائياً واختيار الإنسان أو مصيره سوف يتعلق بأحد الاحتمالات المعلومة لله إحصائياً .

إذاً؛ مقولة : التصورات تسبق الموجودات ، صواب بالنسبة للناس ، وغير صواب بالنسبة للخالق الأزلي لأنه ليس كمثله شيء، ولا يصح قياس المخلوق المحدود على الخالق الأزلي ، وعندما يريد الخالق الأزلي أن يخلق تجتمع المراتب الأربعة بمرتبة واحدة وهي كن فيكون الشيء وفق ما أراد الله له أن يكون.