كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ }النور41

كلمة (ترى) في النص لا تعني أن الرؤية حصلت وإنما تعني الحض على الرؤية وهي غير النظر، فالرؤية تدل على إعمال العقل والوعي بما ينظر إليه الإنسان بعينه، ومنه الرأي وهو الدراسة والعلم بالشيء والحكم عليه،{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ }الصافات102، انتبهوا لكلمة (فَانظُرْ مَاذَا تَرَى) لقد طلب النبي إبراهيم من ابنه أن ينظر بمعنى أن يوجه حواسه وانتباهه وتركيزه ليحصل على رؤية وحكم على الشيء المعروض عليه، والنص (أَلَمْ تَرَ ) هو من هذا القبيل حض على الرؤية من خلال الدراسة والعلم والحكم عليه .

وكلمة (يسبح) من سبح وتدل على حركة حرة مجتمعة باستقرار منضبطة بشدة، والسباحة معروفة ، والتسبيح لله (سبحان الله)  بمعنى نفي هذا المعنى الحركي عن الله لأنه فعل للمخلوقات المحدودة، والله أحد صمد، والتسبيح هو صفة لازمة للخلق في بنيتها ونظامها {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }الأنبياء33، ويوجد تسبيح خلقي في الأشياء يتعلق بنظامها كوجود وحركة غير واعي ، ويوجد تسبيح واعي من الكائن العاقل كمفاهيم إيمانية يحملها ينزه الله بها عن النقص والمثيل والشبيه  و الكفؤ والشريك والابن و الولد والعجز… {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ }الأنبياء22، وهذا التسبيح الواعي من العاقل يقوم به كل من في السموات و الأرض وهذا دلالة كلمة (من) فهي للعاقل بخلاف كلمة (ما) فهي تدل على غير العاقل واتى التسبيح لهم بنص {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ }الجمعة1، بمعنى أن الوجود كله من الذرة إلى المجرة يتحركون بأمر الله وسننه وهذا التسبيح غير عاقل وإنما تسبيح  خلقي بنظامهم، ولذلك كان من أحد سنن الخلق هي التسبيح وتعني الحركة فلا يوجد مخلوق ثابت صمدي.

وجملة ( والطير صافات) تدل على تجمع الطيور مع بعضها بكتل وجماعات مصفوفة تقوم بفعل الطيران  من خلال فتح  أجنحتها بشكل محدد وقبضها {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ }الملك19، والذي يمسكهن من الوقوع هو سنة الرحمن في الطيران.

وجملة (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) كلمة (علم) لا تعني بالضرورة العلم الواعي من التعلم الذي يقوم به الكائن العاقل، وإنما هي من العلم الخلقي الفطري بالشيء الذي يحكم بنية الشيء وحركته وغايته وفق سنن إلهية، اقرؤوا {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً }الكهف77، هل الجدار له صفة الإرادة الواعية ؟ كلمة (يريد) بمعنى توجه السنن الداخلية وفق نظامها التي تحكم الجدار إلى حالة الوقوع، وكذلك دلالة كلمة (علم) للأشياء غير العاقلة.

كلمة (صلاته) من الصلة وهي العلاقة مع الغير والجهة التي تقصدها ، والكون كله يقوم على علاقات متبادلة  مقصودة تحكمه مثل علاقة النبذ والجذب التي تجعل حركة الكون منتظمة مع بعضه لا يشرد عنه شيئاً أو يهرب من النظام ، انظروا لصلاة المجموعة الشمسية ، وهذا القانون هو دلالة كلمة  العمد في النص هذا {اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ }الرعد2، وهذه الصلاة التي هي العلاقة المقصودة ذات غاية وليست فوضوية أو اعتباطية ( كل علم قد صلاته)، ومطلوب من الكائن العاقل المكلف أن يصلي صلاة منسجمة مع صلاته الكونية من خلال سجوده لله أمراً وعبادته.

كلمة( تسبيحه) تدل على أن كل مخلوق يتحرك وفق النظام الذي خلق عليه المنسجم مع النظام الكوني العام هذا مفهوم {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ }النور41، ولا يوجد فيه مجاز كما يقول بعضهم، ويعد أن المجاز علاج  نفسي وبلاغة وبيان ، والصواب أن الحقيقة هي العلاج والبيان والبلاغة وهو أسلوب القرءان، لا يستويان حكماً.