كوميديا فكرية عند مدعي المعتزلة

‏عجباً لمن يدعي التفكير المنطقي أن يقول: إن تواتر حجية الحديث النبوي في الأمة برهان على حجيته !! وذلك بعد ان قال: إن السنة – وتشمل الحديث – ليس وحياً ولا محفوظة وهي ظنية الثبوت ولا تؤسس حكماً شرعياً ولا مفهوماً إيمانياً ولا تثبت خبراً غيبياً، ومعظمها غير صحيح ولم يصح منها ربما سوى 150 حديث جمعهم الكعبي محدث المعتزلة في كتاب ولم يصل لنا كما ذكر ابن النديم !!!!

ومع كل ذلك فالحديث حجة ملزمة للناس ، عنزة ولو طارت .

ذكرني قوله بطريقة الغزالي في إثبات حجية الاجماع فقال: لايوجد أي نص قرءاني يدل صراحة على حجية الاجماع، ولا يوجد أي حديث صراحة يدل على حجية الاجماع غير أن الحديث ظني الثبوت وفكرتنا أصولية تحتاج إلى قطعية الثبوت والدلالة، وتابع البحث هذا العالم المغوار الشجاع العبقري وقال: ولكن وجدت الأمة تلقت حجية الاجماع بالقبول فيكون هذا برهان على حجية الاجماع!!! كتاب المستصفى للغزالي.

وهذا الاستدلال وقع في الدور وهي طريقة للتفكير باطلة بداهة، التي تعني أن ألف يعتمد في ثبوته ووجوده على باء، وتعتمد باء في وجودها على ألف، وهكذا بطريقة دائرية ، وهذا يعني منطقاً نفي إثبات النقطتين وهلاكهما.

وصاحبنا المغوار الأول المدعوم يقول: بحجية الحديث النبوي لأنه تواتر حجيته في الأمة.

أولاً: لم يتواتر حجية الحديث النبوي، وهذا معروف لأي باحث .

ثانياً: التواتر لا يدل على حجية شيء أو صوابه فهو يدل على حصول الحدث فقط بصرف النظر عن صوابه أو خطئه .

ثالثاً: التواتر كلمة اصطلاحية غير صواب فهي تتعلق بالسند والرواية مهما كثر الرواة فالكذب وارد وكذلك الخطأ و التحريف.

المفهوم الصواب هو التتابع للحدث في الأمة ممارسة دون انقطاع ،وهو مصطلح قرءاني ويدل على إثبات حصول الحدث قطعاً وليس حجيته ولا صوابه أو خطئه.

فهل هؤلاء مدعي الاعتزال لا يعرفون كيف يفكرون ولا يعرفون الاستدلال وبطلان الدور والتسلسل ؟

لا يفرقون بين البرهان والثرثرة والقيل و القال والإشاعة فيعدونهم برهان إثبات وصحة؟

هل يبحثون على أي كلام ليثبتوا حجية الحديث سواء كان له علاقة أو لم يكن له علاقة ، كما فعل الشافعي في إثبات حجية الاجماع بعد أن دخل منزله ثلاثة أيام وهو ضائع لا يعرف برهان الاجماع، حتى وجد نص قرءاني رأى هو أنه يمكن أن يدلس به على الناس وهو{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً }النساء115، فخرج على الناس وادعى أنه وجد البرهان و تلى عليهم النص، وانطلت الحيلة على المسلمين حينئذ المعاصرين أو التابعين له ، ولذلك رفض الغزالي الاستدلال بالنص هذا على حجية الاجماع وفند فهم الشافعي وحكم عليه بالخطأ.

وصاحبنا المدعوم كذلك يغيب ومن ثم يعود بفكرة طريفة يدعي أنها برهان على حجية الحديث النبوي المنزوع عنه كل مواصفات الحجية باعترافه هو بنفسه.

وهذا مفهومه عن السنة: السنة – وتشمل الحديث – ليس وحياً ولا محفوظة وهي ظنية الثبوت ولا تؤسس حكماً شرعياً ولا مفهوماً إيمانياً ولا تثبت خبراً غيبياً، وهي اجتهاد للنبي كامن في النص القرءاني ،ومعظمها غير صحيح ولم يصح منها ربما سوى 150 حديث جمعهم الكعبي محدث المعتزلة في كتاب ولم يصل لنا كما ذكر ابن النديم !!!!

ومع كل ذلك فالحديث حجة ملزمة للناس ، عنزة ولو طارت !!.

وقبل أن ننتهي لابد من تذكيركم بما سبق في الحلقتين السابقتين:

الحلقة الأولى لصاحبنا المدعوم قوله: الحديث النبوي ليس وحياً ولكن مدعوماً ومراقب بالوحي، ويمكن أن نقول اصطلاحاً عن الحديث النبوي الوحي المراقب والمدعوم.

الحلقة الثانية التي أتحفنا بها واستمتعنا وضحكنا كثيراً قوله: تواتر حجية حديث النبي في الأمة برهان على حجيته .!

وإلى حلقة ثالثة ننتظر طرفة نرجو منه أن تكون ممتعة ومسلية ومضحكة أكثر مما سبقها ونتمنى له التوفيق في الكوميديا الفكرية

ملاحظة

سألني أحدهم: معقول هذا مستوى المعتزلة السابقين في التفكير والنقاش والحوار ؟

قلت: المعتزلة السابقين كانوا علماء بحق ومفكرين في زمنهم وفق أدواتهم و مصطلحاتهم المناسبة ربما لزمنهم ومستوى الخطاب حينئذ وثقافة المجتمع وما يعانون من أزمة فكرية ثقافية سياسية تتعلق باستبداد بني أمية ، ولذلك كان العقل و الحرية هما الأساس الذي قام عليه فكر المعتزلة كفكر معارض لبني أمية الإكراهي الإجباري، وهؤلاء المعاصرين يهرجون وحدهم خارج التاريخ .