مفهوم التتابع بدل مصطلح التواتر

التواتر من وتر وتدل على الواحد أو خلاف الشفع. والتواتر يدل على تتابع الآحاد من الناس على شيء ، والوتيرة هي تتابع الشيء على مستوى واحد مع انقطاع أو فاصل زمني يسير بين الحالتين.

فالتواتر لا يدل على الممارسة الجمعية المستمرة دون انقطاع، ولذلك ينبغي إبعاد مصطلح التواتر من الدراسة القرءانية وخاصة أن الكلمة غير مستخدمة فيه ، ويترتب عليها إشكال كثير ، وورد في القرءان كلمة الوتر بمعنى الفرد أو الواحد{وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ }الفجر3 وهي مقابل الشفع، واستبدال مصطلح التواتر بمفهوم التتابع وهو مفهوم قرءاني من الاتباع.

بداية ؛ مفهوم الاتباع للأكثرية أو الآبائية  مجرداً دون علم ولابرهان ولا عن بصيرة هو مذموم في القرءان وهذا أمر لاخلاف عليه وليس محل النقاش، فالآباء والأكثرية ليسا مصدراً علمياً أو دينياً تشريعياً ولابرهاناً على صواب شيء أو خطئه أو الحكم عليه، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ }البقرة170.

ولكن القرءان لم يذم اتباع الواحد عن علم وبينة وإثبات ومن باب أولى اتباع الآباء أو الأكثرية عن علم وبينة وبرهان  وليس اتباعاً شخصيا لقولهم فقط. لنقرأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }الحجرات6

من خلال مفهوم النص يدل على أن نبأ العدل والثقة يفيد الاتباع لنبئه بداية، وإن كان فاسقاً يجب أن نتبين ونتثبت صدق نبئه من خلال البرهان والتأكد والمشاهدة والعلم بالشيء قبل أن نتخذ أي قرار متعلق بالقوم، وهذا العمل لاعلاقة له بالتشريع أو العلم ، وإنما هو متعلق بأمور الناس المعيشية والممكنة الحدوث في حياتهم، وليست مستحيلة ولامخالفة لما هو ثابت ويقين.

والنبأ عن حصول شيء لايتعلق بكيف حصل لأن ذلك محله العلم وليس النبأ ، كما أنه لايتعلق بحكم هذا الشيء لأن محل مصدر الحكم الديني هو القرءان وليس الأخبار والأنباء والممارسات.

وهذا يعني أن النبأ هو متعلق بحصول الشيء فقط وفق المعقولات والممكنات دون مخالفة الثوابت ولاعلاقة له بالتشريع كحكم ، ولا بالعلم كيف حصل الشيء، ونتعامل معه بداية على ثقة المخبر وصدقه.

هذا مع نبأ الواحد فما بالكم إن كان النبأ تتابع بالمجتمع كظاهرة مستمرة سلوكاً في ممارسة عمل معين تحقق فيه الشروط التالية :

1- أن يكون وفق المعقولات والممكنات.

2- لاعلاقة له بتشريع حكم في الدين .

3- لاعلاقة له بكيف حصل الحدث كسنن وقوانين.

4- لايتعلق بالمفاهيم والفكر .

5- إن كان متعلقاً بالدين فينبغي أن يأتي حكمه في المصدر التشريعي أولا الذي هو القرءان.

6- أن يتعلق بالأفعال وليس بالأقوال.

7- أن لايخالف الأمر الثابت والحق.

إن تحققت هذه الشروط بممارسة معينة في المجتمع وتتابعت كظاهرة اجتماعية يدل على ثبوتها قطعاً عمن بدأها، وهذا تحقق بممارسة الصلاة و الحج في الدين الإسلامي.

{ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }البقرة199

لاحظوا الأمر القرءاني كيف يُحيلنا في ممارسة الإفاضة إلى حيث أفاض الناس وهذا أمر باتباعهم في ذلك، وهذا الاتباع ليس مذموماً.

فالصلاة ثبت حكمها في الدين بالمصدر القرءاني وأتى هيئتها العامة فيه، ومارسها النبي وقومه في مجتمعهم، وتتابع ذلك الفعل منهم وعنهم إلى المجتمع اللاحق دون انقطاع مما أفاد القطع بحصول الصلاة على الشكل الحالي المعروف ، وبالتالي ليس من العلم والمنطق أن يأتي أحدهم ويرفضها بحجة عدم ثبوتها أو التشكيك بها أو جعلها من الاتباع للآباء المذموم.

{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً }النساء115، فاتباع سبيل المؤمنين عن علم وبصيرة وبينة أمر مطلوب وحض عليه المشرع.