الدعوة إلى الله غير الأمر بالمعروف

نزل الخطاب الإلهي للناس كجنس،{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }الأعراف158، ولكن تعلق خطابه في الواقع الاجتماعي ليس لكل الأفراد بعينهم، وإنما حسب مقامهم الاجتماعي وحسب الظروف المحيطة بهم ومعطيات الحدث، مثلا الأمر بالقتال ليس لكل مجتمع،وإنما للمجتمع الذي تم الاعتداء عليه {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ }البقرة190، بينما المجتمع الآخر الآمن ولم  يعتدي عليه أحد، لا يحق له أن يبدأ بطلب القتال أو الاعتداء على مجتمع آخر آمن، وكذلك فعل الصدقات هو أمر متعلق بمن يملك المال، ومحل الصدقات هم الفقراء والمساكين، وهذا يوصلنا إلى أن مفهوم القرءان كخطاب للناس جميعاً هو مفهوم إيماني متعلق بالعمل الصالح ينبثق منه أحكام إنسانية عامة معروفة بالوصايا العشرة ( لا تقتل، لا تسرق، لا تزني…)، ويوجد جانب آخر متعلق خطابه بفئة معينة من الناس وليس لكل الناس، ولمجتمع معين بظروف آنية مؤقتة، وما ينبغي على مجتمع آخر أو فئة أخرى من الناس أن تطبقه.

ومن الأحكام الموجهة لفئة دون أخرى الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }آل عمران104

فيوجد دعوة إلى الخير، ويوجد أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فهل كل من يدعو إلى الخير يملك صلاحية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أم ممكن أن يكون لكل فئة فعل مختلفة عن الأخرى في المجتمع، ومَن من الفئات التي يمكن أن تجمع الفعلين معاً؟

لمعرفة جواب هذه التساؤلات لابد لنا من التفريق بين كل من فعل الدعوة إلى الله وإلى الخير، وفعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الأصل في الإيمان هو الحرية وعدم الإكراه {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }البقرة256،

ولا شك أن المعاصي هي اقل شأناً من الكفر، وبالتالي فلا سلطة لأحد على أحد في ذلك، ولا يحق لأحد أن يحاسب أحد.

هذا هو الأصل في حرية الإنسان وسلوكه الشخصي، والعلماء أو الدعاة وظيفتهم الدعوة والتعليم بالحكمة والموعظة الحسنة لا يملكون أي سلطة إكراهية لجعل الناس يؤمنوا أو ينتهوا عن فعل شيء، قال تعالى:

{ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }النحل125، حتى الشيطان يوم القيامة يقول : {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }إبراهيم22، فالدعوة إلى الله والعمل الصالح من قبل الأنبياء أو العلماء أو الدعاة هي دعوة وخطاب لإنسان حر دون سلطة إكراهية عليه قط،{فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ }{لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ }الغاشية21-22،{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ }آل عمران128، وكذلك دعوة الشيطان إلى الكفر والظلم والفساد دعوة لإنسان حر دون سلطة إكراهية عليه، والأمر كله مناط بحرية الإنسان {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً…}الكهف29، و يشترط  على الداعي أن يكون عالما بما يدعو إليه، وأن يكون حكيما في دعوته من حيث اختيار الزمان والمكان المناسب لذلك،  ومع ترجح عنده فائدة الذكرى للمدعو وقبوله للنصيحة وحُسن استماعها، قال تعالى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى }الأعلى9، وأن يكون أسلوب الداعي لطيفاً وبالمعروف غير فاحش اللسان ولا يُؤذي بلسانه نفسية المدعو أو يستفزه أكثر على الفحش والمعصية والخطأ والتمادي بسلوكه الشائن، وكل ذلك مع احترام شخص المدعو وتكرار انه إنسان حر برأيه وسلوكه، ولكن الحرية مسؤولية وعلاقة مع الآخرين، والحرية وعي ورقي وليس جهلاً وهبوطاً وتخلفاً.

وصلنا الآن إلى كلمة الأمر، فما هو مفهوم كلمة الأمر ومن هم الجهة المخولة بالأمر؟

كلمة الأمر غير كلمة الدعوة أو التعليم، فهي متعلقة بالسلطة وليس بالدعوة والتعليم، فمن يأمر يكون يملك سلطة إكراهية يستطيع أن يُحاسب بها الإنسان المأمور، بل؛ ويمكن أن يُكرهه على فعل ما يريد أو ينهاه.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء59

وفي الواقع لا يملك السلطة الإكراهية إلاّ الحكومة ومن يمثلها من المؤسسات، وهذا يعني أن أي إنسان يرتكب مخالفة نص عليها القانون يتعرض للمسؤولية والمحاسبة من الحكومة أو الجهات المختصة والمكلفة من قبل الحكومة، وهذا يعني لابد من وضوح في القانون وتصريح بالسلوك الذي يُعَدُّ جريمة أو جناية أو جنحة، وما لم ينص عليه القانون ويجرمه أو يدينه كجناية أو جنحة لا تتدخل السلطة في سلوك الناس، ومن باب أولى ينتفي عن العلماء أو الدعاة صلاحية الأمر وسلطة تنفيذه بالإكراه، فالأمر مناط بالحكومة فقط، فهي التي تُكره الناس على طاعة القانون وتحاسبهم على موجبه.

{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }آل عمران104.

والأمة في النص المذكور هي الجماعة المترابطة مع بعضها وتحمل فكراً ونظاماً واحداً، وهي متمثلة بالحكومة، فينبغي عليها أن تدعوا إلى الصلاح والخير، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ }الأعراف199.

وبناء على ما ذُكر لا يُسمح ولا لأي عالم أو داعية فضلاً عن إنسان عادي أن يأمر أو ينهى أحد من الناس عن ممارسة سلوك معين أو محاسبته، ومن يفعل ذلك يتعرض للمحاسبة والمسؤولية القانونية، وعمله هذا أخطر على المجتمع من الخطأ الذي وقع به الإنسان الذي صدر السلوك منه، لأنه يؤدي للفتنة والفوضى وتدخل في حرية الناس، والقيام بعمل غيره من رجال السلطة وتقمص دوراً غير دوره، ويمكن  للإنسان العالم أو الداعية أو المواطن العادي شيئاَ خطا أو مشيناً من سلوك احدهم علانية أن يخبر الجهة المختصة والمسؤولة عن المحاسبة، وليس له إلا النصيحة أو التوجيه إن سنحت له الفرصة دون أذى أو مشاكل أو وقوع فتنة ما.

فالدين والعلم والفكر ينبغي فصلهم تماماً عن السلطة الإكراهية، فهما متناقضان لا يجتمعان.

وينبغي على القانون أن ينص على مادة صريحة تعاقب كل من يطلق على إنسان آخر من المجتمع صفة كافر، لأن كلمة (كافر) كاسم فاعل تطلق على الإنسان المخرب الذي يتعمد تغطية الحقيقة ويحارب القيم والأخلاق والعلم والصلاح، ويدعم الاستبداد والاستعباد والانحلال والفسق والفجور، وهذا غير إطلاق كلمة (الكفر أو الضلال) على المفاهيم أو الآراء، فهذا عمل مقبول ولابد منه لظهور الحق والصواب، فالنقاش متعلق بالأفكار وليس بالأشخاص، والحكم يكون على الفكر وليس على الشخص.

وكذلك ينبغي منع تأسيس أي تكتل حزبي أو مؤسساتي يهدف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع خارج دائرة السلطة الحكومية، ومحاسبتها حساباً عسيراً لما يترتب على تأسيسها من فتنة وفساد كبير في البلاد والمجتمع، ولامانع من تأسيس مؤسسات علمية إنسانية اجتماعية تهدف النهضة والتوجيه والتعليم والدعوة إلى الخير والصلاح ونشر الوعي والقيم والأخلاق وفق التعايش السلمي الإيجابي واحترام الناس وحقوقهم.