التشبيه في القرءان حقيقة وليس مجازاً
يظن بعض المتعلمين أن التشبيه هو من المجاز، والصواب ليس كذلك، فالمجاز هو تجاوز الحقيقة إلى معنى يقصده المتكلم خلاف المعنى اللساني الذي يدل عليه مبنى الكلام، قد يكون كذباً أو خطأً أو مبالغة، نحو قولهم : زيد حمار، ويقصدون أنه بليد أو غبي أو بطيء الفهم، مع العلم أن كلمة حمار لسانيا لا تعني تلك المعاني التي قصدها المتكلم، ويقولون هذا من البلاغة وجمال الأسلوب وهو مجاز في التعبير يعتمد على فهم المتلقي للخطاب. وذهبوا يطبقون ذلك على الخطاب القرءاني، وفاتهم أن الخطاب القرءاني هو خطاب يقوم على الحق والصدق ولا يستخدم الكذب والخطأ والمبالغة في خبره أو في صياغة أحكامه، هل يمكن أن يأتي نص لساني متعلق بحكم شرعي بصيغة مجازية، ويترك فهمه للمتلقي، ولكل فهمه حسب مستواه العلمي والإدراكي، وكيف يتم حساب الناس؟هل يمكن أن يأتي خبر متعلق بالله وأسمائه الحسنى وأفعاله بصيغة لسانية مجازية ويترك فهمها ودراستها للناس؟هل يمكن أن يأتي خبر متعلق بالكون وحركته وقوانينه بصيغة لسانية مجازية؟هل يمكن أن يأتي خبر متعلق بالقصص التاريخي بصيغة لسانية مجازية؟هل يمكن أن يعبث الله مع الناس أو يمزح معهم أو يتكلم بشكل مبالغ فيه متجاوزاً الحقيقة، أو خلاف الحقيقة أو الخبر كله لا علاقة له بالواقع ؟هل يمكن صياغة العلوم التطبيقية والنظرية مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء بصياغة لسانية مجازية؟أسلوب المجاز عبث ولهو وقصور في الخطاب وهو خاص بحديث الناس فيما بينهم، منزه القرءان عنه تماماً، ومن يقول بوجود المجاز في القرءان يقع في هدم الخطاب القرءاني من حيث لا يشعر وينفي عنه صفة العلمية والحق والصدق.
أيها المسلمون الخطاب القرءاني هو خطاب متعلق بالكون وما فيه ، ويدرس حسب سنن الكون كآفاق وأنفس، فهل رأيتم بالكون شيء مجازي حتى ينعكس على القرءان ويظهر في أسلوبه؟انظروا لدقة استخدام التشبيه في القرءان ولاتنسوا أن المتكلم عليم حكيم{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }الجمعة5 لاحظوا وجود المشبه، وأداة التشبيه حرف الكاف، والمشبه به، وتحديد الصفة محل التشبيه، هذه أربع عناصر للتشبيه ما ينبغي أن ينتفي منها أي عنصر، ويكون الخبر والصياغة حق وصدق، وليس عبثاً ولا هزلاً، ولا خلاف الحقيقة، ولا مبالغة. لنفترض الاحتمالات التي يضعها أهل المجاز ويدعون أنها بلاغة مجازية مع افتراضنا أنهم عقلاء وعلماء وحكماء وصادقين فيما يقولون. 1- حذف أداة التشبيه حيث تصير الجملة ( مثل الحمار يحمل أسفارا) نلاحظ أن الذين حملوا التوراة ليسوا مثل الحمار في الشكل ، ولم يضعوا التوراة على ظهورهم ، وهذا يعني أن الجملة خلاف الحقيقة والواقع. 2- حذف كلمة المثل من الجملة وتعديل صياغتها لتناسب الحذف(الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا هم حمير) ، وهذه الصياغة كذب في الواقع وخلاف الحقيقة ، لأن التوراة لم يحملها الحمير، وإنما حملها بنو إسرائيل.3- حذف الصفة المشبه بها والاكتفاء بكلمة( كمثل الحمار)، نلاحظ أن الجملة قاصرة ولم يتم المعنى عند السامع ولم يعلم ما هي الصفة المشبه بها بالحمار لأن الكائن له نوعين من الصفات إيجابية ومدح مثل الصبر والتحمل ، وسلبية للذم مثل الغباء والبلادة ، فهم كمثل الحمار بأي صفة مدح أ وذم؟4- نلاحظ أن صياغة القرءان للتشبيه بعناصرها الأربعة دقيقة ومحكمة مطابقة للواقع وتوصل المعنى من خلال المبنى وإسقاط المعنى على محل الخطاب دون أي تدخل من المتلقي للخطاب، بخلاف أسلوب الناس المجازي فلا تعرف ما يقصدون إلا من خلال التواضع والاصطلاح فيما بينهم لأن مبنى كلامهم لايدل على الحقيقة، ومن لا يعرف اصطلاحهم لا يفهم الخطاب، بينما خطاب الله ليس اصطلاحياً ولا عبثاً، وهو قابل للفهم والدراسة من قبل الناس جميعاً.اقرؤوا أيضاً الخطاب القرءاني هذا لتأكيد الفكرة وتوضيحها: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }الأعراف176لاحظوا وجود عناصر التشبيه الأربعة:1- المشبه: الإنسان الذي يخلد إلى الأرض ويتبع هواه.2- أداة التشبيه(كمثل).3- المشبه به: الكلب.4- الصفة المشبه بها: إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث.{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }الأعراف179عناصر التشبيه الأربعة:1- الجن والإنس الذين لايستخدمون قلوبهم وأعينهم وآذانهم رغم وجودها.2- أداة التشبيه حرف الكاف (كالأنعام).3- المشبه به : الأنعام.4- الصفة المشبه بها عدم الفقه والفهم. أما الفرق بين وجود أداة التشبيه الكاف متصلة مع كلمة المثل(كمثل) وانفرادها دون كلمة المثل فهو:وجود الكاف متصلة مع كلمة المثل (كمثل) يؤدي إلى أن المشبه يشترك مع المشبه به بشكل جزئي مذكور في سياق الكلام نحو (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً) يوجد بينهما مثلية في شيء معين.أما انفراد أداة التشبيه (الكاف ) دون كلمة المثل، نحو{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }الأعراف179نلاحظ استغراق التشبيه في المشبه به بشكل كبير، بل تجاوزوهم ضلالاً.ومع ذلك يقول أهل اللغة والاعتباط: التشبيه البليغ وصوره : هو ما حذفت منه أداة التشبيه والوجه معاً وهو أعلى المراتب بلاغة. لنطبق ذلك على النص القرءاني ونحذف العنصرين لنحصل على تشبيه بلاغي كما زعموا: هذا نص التشبيه القرءاني المتدني بالتشبيه عن النوع الأعلى المزعوم عند أهل اللغة والاعتباط:(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً)بعد حذف أداة التشبيه الكاف، والوجه المشبه به ( يحمل أسفارا) يصير(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا مثل الْحِمَارِ)! هل دلالة النصين واحدة يعبران عن الحقيقة ؟هل نص أهل الاعتباط فعلاً أرقى وأعلى بلاغة من صيغة التشبيه القرءانية؟مالكم كيف تحكمون؟
اضف تعليقا