اعتباط تعامل بعض الباحثين مع القرءان وخطرهم عليه

ظهر في الآونة الأخيرة أفراد يعدون أنفسهم باحثين في القرءان وذهبوا بذلك مذاهب شتى وغرَّبوا وشرَّقوا ، حتى أتوا بالعجائب والغرائب، ويعرضونها كأنها حق وصواب، أحدهم يتعامل مع القرءان وكأنه نزل عليه هو بلسانه، أو وجده تحت وسادته مبتوراً عن اللسان الذي نزل به أو التاريخ أو المنطق ، فيدرسه وفق ما يحلو له لا يأبه باختلاف حركات الكلمة ولفظها ظناً منه أنها من صنع النساخ أو أهل النحو وهي اعتباط وليس وحياً، ويختار معنى من المعاني المحتملة للكلمة ويجعله مفهوماً لها ويضرب بالمعاني الباقية عرض الحائط .

القرءان نزل بلسان عربي مبين، وهذا يعني أنه يقوم على قواعد علمية منطقية  كونية نحو: إذا اختلف المبنى اختلف المعنى ضرورة ، حتى بالكلمة التي تتألف من الأصوات ذاتها إن اختلف لفظها وحركاتها التي تحكمها اختلف معناها مع الحفاظ على مفهومها اللساني الذي يحكم كل المعاني والاشتقاقات مثل  كتب وكُتب بضم الكاف، وإن أدخلنا لها بعض الأصوات مثل كاتب وكتيبة ومكتب وكتاب…الخ، يتغير معناها مع استمرار مفهوم الكلمة الجذري اللساني يحكمها.

الكلمة في اللسان العربي المبين لها مفهوم ثابت كوني علمي ولها استخدامات لامتناهية تظهر من خلالها المعاني وهي التي يقصدها المتكلم من الخطاب وتفهم من السياق وإسقاطها على محلها من الخطاب من الواقع، ومن الخطأ الفاحش والقاتل أن يأخذ الباحث معنى من هذه المعاني المحتملة ويجعلها مفهوماً للكلمة ثابت أينما أتت ويقول به ويبني عليه مفاهيمه الوهمية الغريبة التي لا تمت بأي صلة للخطاب والواقع، فتارة ينفون وجود مكة وتارة ينفون وجود الصلاة الشعائرية ، وتارة ينفون الصيام ، وتارة ينفون الحج، وهكذا فرغوا الكلمات من المعاني التي أتت بها .

وسأضرب مثلاً على طريقة فهمهم وبناء عليه يتم معرفة طريقة دراستهم المبتورة.

انظروا لهذه الاختلافات الدلالية في الكلمة الواحدة

بنى زيد ، وبني زيد، أبناء زيد ، بُناة الأجيال، وبنت عمرو ، وبنات زيد، هل دلالة كلمة (بنى) هي ذاتها دلالة كلمة (بني وابن) رغم أن جذر الكلمة واحد ( بنو)؟

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }النساء23

كلمة (بنات) في النص يقصد بها جمع بنت وهي الأنثى بنت الأخ أو الأخت، ولكن بقدرة قادر صارت في النص هذا {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }الأحزاب،59 ، بمعنى البناء أي بُناة بضم الباء! كيف حصل هذا التحريف ؟ الجواب: هو حر في تلاوة الكلمة وتحريكها ولايلزمه أحد بشيء من المعاني أو القواعد.

وقال: كلمة الحج من المحاججة وتعني عرض البرهان والنقاش والدراسة بين طرفين للوصول للحق أو الصواب، وجعل ذلك مفهوم ثابت لكلمة الحج ونفى تعدد المعاني، وذلك فهماً من النصوص التالية:

{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }البقرة150

{رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً }النساء165

{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ }الأنعام83

ففهم من كلمة (حُجة) بضم الحاء تدل على البينة و البرهان وثبت هذا المعنى وجعله مفهوماً للكلمة أي نقله من حالة المعنى إلى حالة المفهوم الأصل الجذري وعندما وصل إلى نصوص متعلقة بالحِج إلى البيت

{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ }البقرة197

{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ }الحج27

{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ }البقرة158

{فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }آل عمران97

كلمة (الحَج) اسم للفعل ذاته، وكلمة(حَج) هي الفعل

سحب معنى كلمة (حُجة) بضم الحاء وأعطاه لكلمة ( حِج) بكسر الحاء أو فتحها، وقال هذا من المحاججة ونفى قصد بيت الله الحرام في مكة للقيام بمناسك معينة، و قام بفهمها بشكل رمزي دون معنى بناء على المفهوم الذي ثبته,

وقال: المقصد منها: المحاججة وعرض البرهان على الفكرة،  ولاعلاقة لها بحج بيت أو كعبة في مكان معين، وبالطريقة ذاتها تناول معظم المفاهيم مثل الصلاة والصيام والغسل .

لنناقش طريقة علاجه للفكرة

1- أخطأ عندما جعل معنى كلمة (حُجَّة) مفهوماً ثابتاً لسانياً وبنى عليه، والصواب أن  هذا معنى وليس مفهوماً ثابتاً لجذر الكلمة (حج).

لنرى مفهوم كلمة (حج) في اللسان العربي المبين.

حج: مفهوم يدل لساناً على أرجحة شديدة منضبطة منتهية بجهد وقوة ، وظهر ثقافياً بمعاني كثيرة تحقق بها ذلك المفهوم، مثل كلمة (حُجَّة) بضم الحاء من المحاججة وتعني عرض البرهان بقوة لازمة للطرف الثاني،مثل قوله :

{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ }الأنعام83، وظهرت كلمة (حَج) بفتر الحاء وتعني قصد مكان معين للقيام بسلوك منضبط بقوة وجهد مثل قوله: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ }آل عمران97،{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ }البقرة158

ولايصح استخدام كلمة(حَج) على الذهاب إلى  مكان العمل أو المدرسة أو السينما مثلاً.

فمفهوم الكلمة ثابت والمعاني متغيرة ومتعددة حسب استخدام المتكلم لها ، وهذا يختلف من سياق إلى آخر ولكن كلهم محكومين بالمفهوم  اللساني مع مراعاة الاختلاف بالكلمة أو الحركات.

2- القاعدة اللسانية العلمية تقول: إذا اختلف المبنى اختلف المعنى، وهذا يدل على خطئه عندما جعل كلمة (الحُجة) بضم الحاء مثل دلالة كلمة (حَج) بفتح الحاء، ولايلتفت إلى قوله أنه غير مُلزم باختلاف حركة الكلمات وهذا من وضع أهل النحو ، فكلامه هذا اعتباطي ويدل على نفي علمه بأن الخطاب القرءاني نزل ذكر صوتي متلو على قلب الرسول محمد أو ربما يتجاهل ذلك ويهمله ، وعمله هذا خطير جداً ومسيء للخطاب القرءاني ويفتح باباً من الهراء، ويأت آخر ويغير حركات الكلمة ويخرج بمفهوم خرافي هلامي ويقول هذا هو مفهوم الكلمة ولايوجد من يلزمني بتلاوة الكلمة على شكل معين لأن الله أنزل القرءان للناس وكل واحد حر بدراسته وفهمه على هواه! حتى قال : إن النبي إسماعيل مجرم.

وغيره قال ممن هو على طريقته الاعتباطية الوهمية : إن المحيض هو فساد الصناعات والغذاء وماشابه ذلك وهو آذى فاعتزلوه .

وقال آخر: وليضربن بخمرهن على جيوبهن بمعنى يضعن البارفان على خرق ويمسحن الإبطين وأي فتحة في الجسم ليزيل الروائح الكريهة !

ويوجد هراء كثير عند هؤلاء لايقل عن هراء عباد المثناة!!

احذروا هؤلاء فهم مثل السلفية عباد المثناة ولكن على النقيض منهم من التطرف والغلو ، وهم فيروس قاتل في الدراسات القرءانية ولا يعد ذلك رأياً ولا دراسة لنفي عن ذلك المنطق الدراسي والشطط في التصور الذهني والوهم ، وهذا إلباس الحق بلباس الباطل.

وهذه الطريقة بالفهم لو سادت لقضت على الخطاب القرءاني ولم يبق منه أي مفهوم محكم وكل يدعي أن المعنى هو كذا، وليس كذا حتى لا يبقى من القرءان كذا .

وهذه الطريقة الاعتباطية في الدراسة لايعول عليها ولاتناقش ولايعتد بها .