كيف نتعامل مع النصوص القرءانية

ودلالة (إن)  ودلالة (من)

كثير من الباحثين والمبتدئين في الدراسة يقومون باقتطاع جزء من نص قرءاني أو نص بكامله من سياقه وبناء مفهوم عليه بمعزل عن منظومته نحو قوله تعالى{فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ }الماعون4، وتصوروا المفهوم الذي يصلون إليه من طريقتهم هذه البتراء ، والموضوع ليس بهذه السهولة والوضوح فعند الدراسة تتشابك الأمور ويضل بعض الباحثين عن الحقيقة بسبب غياب المنهج القرءاني وسوف اضرب مثلاً على ذلك متعلقا بدراسة صيغة نص قرءاني بناء على صيغة أخرى مماثلة له بالمبنى مختلفة بالمعنى وتطبيق مفاهيم النص الثاني على النص الأول دون النظر على اختلاف المعنى ومحل الخطاب.

النص المعني بالدراسة هو:

{وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً }النساء159

وفهمه بناء على صيغة النص التالي:

{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً }الإسراء44

{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }الحجر21

فانطلقوا من عدة نقاط

النقطة الأولى والثانية:

لقد عدوا دلالة ( إنْ ) تفيد النفي وبالتالي فهموا أداة(إلا) التي أتت بعدها تدل على الاستثناء والحصر كما هي القاعدة النحوية المشهورة التي تقول: إن أتت إلا بعد نفي تفيد الحصر.

وللتفريق بين دلالات (إنْ ) ينبغي دراسة مفهوم النص هل هو يدل على النفي فعلاً  في الواقع أم يدل على معنى آخر .

لنقرأ:

{ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }الأعراف188

هل دلالة أداة (إنْ) في النص تدل على نفي شيء ؟

الملاحظ أنها تدل على توكيد أمر وليس على نفي أمر وبالتالي يكون أداة (إلا) بعدها ليست للحصر وإنما أيضاً للتأكيد، وبدليل أن الرسول ليس محصور مهمته بالإنذار والتبشير فقط، اقرؤوا قوله تعالى: {وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ }العنكبوت18، فمن مهام الرسول أيضاً البلاغ والتعليم والدعوة

إذاً؛ أداة (إنْ ) الخفيفة ليس للنفي وإنما للتوكيد وهي من (إنَّ ) المشددة، وأداة (إلا) في النص ليس للحصر.

النقطة الثالثة:

قالوا: إن دلالة ( من) في نص التسبيح والخزائن هي بيانية وتفيد العموم وسحبوها على نص أهل الكتاب وقالوا : عموم أهل الكتاب سوف يؤمنون بالمسيح وهذا لم يتحقق بعد مما يدل على أنه لابد أن يعود المسيح في آخر الزمن ويؤمن به عامة أهل الكتاب.

والصواب إن كلمة( من) لها أوجه كثيرة من الدلالات في اللسان العربي والتي يحددها السياق والمعنى ومحل الخطاب ، ويكون ذلك  من خلال الفهم أولاً كما يقول علماء النحو: افهم  ثم أعرب .

والذي يهمنا من استخدامات أداة (من) مفهوم البيان ومفهوم التبعيض، ولتحديد دلالة (من) في النص ينبغي دراسة السياق والمعنى ومحل الكلام فهو يحدد أن (من) هي بيانية أم تبعيضية.

ولتقريب الفكرة سوف نستخدم كلام البشر لتثبيت الفكرة والتدريب عليها.

خذ من المال ما يكفيك

لا تقنط من رحمة الله

الجملة الأولى أتت(من) بمعنى تبعيضي بينما في الجملة الثانية أتت بمعنى بياني، كيف استطعنا أن نميز بينهما؟

التمييز يكون من دراسة الجملة كلها وتحديد هل محل الخطاب قابل للتعداد والتجزء أم هو كل لا يتجزأ من حيث وجوده، فإن كان قابل للتجزء تكون( من) تدل على التبعيض ، كما في الجملة الأولى ، وإن كان محل الكلام غير قابل للتجزء تكون(من) بيانية) مثل الجملة الثانية، مع الانتباه للمفهوم الكلي للنص في الواقع من حيث يفيد العموم أم هو يدل على جزء منه

والنص المعني بالدراسة كنموذج  {وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً }النساء 159، محل الكلام هو(أهل الكتاب) وهم قابلين للتجزء وبالتالي يكون دلالة كلمة(من) للتبعيض وخاصة أن ليس كل عامة أهل الكتاب سوف يؤمن بالنبي عيسى.

بينما النص التالي

{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً }الإسراء44

فدلالة (من) بيانية وليس تبعيضية لعموم تسبيح الشيء في الواقع دون استثناء منه.

إذا؛ً من الخطأ الفاحش وضع نصين يشبهان بعضهما في الصياغة والمبنى وإعطائهما المفهوم ذاته دون النظر لمحل الكلام والمعنى لهما وأوجه الاختلاف بينهما وقصدت قوله تعالى:

{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }الحجر21

تثبيت عموم ملكية الله لكل شيء ، ومفهوم أداة (من) بيانية وليس تبعيضية، مع ملاحظة أن أداة (إلا) ليس للحصر لعدم سبقها أداة نفي وسياق النص لا يدل على استثناء، ومع ذلك تم سحب مفهوم أدوات النص إلى النص التالي:

{وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً }النساء159

رغم أن أداة (إن) هي الخفيفة وليس النافية، و أداة (من) تبعيضية، ، وأداة (إلا) ليس للحصر ولا للاستثناء،وسياق النص لا يفيد  عموم أهل الكتاب بدليل الواقع سابقاً وحالياً ولاحقاً، والنص يؤكد أن الفعل سوف يحصل قبل موت النبي عيسى ، وهذا يعني بحياته بعد رفعه  و قبل وفاته، و الشهادة متعلقة بوجود النبي عيسى حياً يرزق عليهم وسوف يشهد على إيمانهم يوم القيامة ، ويحتمل أن يتعلق النص  بحياة النبي محمد وهو الذي سوف يشهد على من آمن به من أهل الكتاب قبل موته.

هذا نموذج على طريقة التعامل مع القرءان ودراسته فتأملوا وتدبروا كيف يتم دمج الباطل بالحق، والوهم بالحقيقة ،و الخطأ بالصواب.