نقد مفهوم الاجماع

1ـ إجماع الصحابة، فقد قالوا في تعريفه:

(إن إجماع الصحابة يرجع إلى نفس النص الشرعي، فهم لا يجمعون على حكم إلا وكان لهم دليل شرعي، من قول الرسول r، أو فعله، أو تقريره. قد استندوا إليه فيكون إجماعهم قد كشف عن دليل شرعي، وهذا لا يتأتى لغير الصحابة؛ لأنّهم هم الذين شاهدوا الرسول عليه السلام، وعنهم أخذنا ديننا.

فكان إجماعهم هو الحجة، وما عداهم ليس بحجة.

إذاً؛ الصحابة ما أجمعوا على شيء إلاّ ولهم دليل شرعي على ذلك. لم يرووه. فيكون إجماع الصحابة دليلاً شرعياً بوصفه يكشف عن دليل وليس بوصفه رأياً لهم. فاتفاق آراء الصحابة على أمر لا يعتبر دليلاً شرعياً، وإجماعهم على رأي من آرائهم لا يعتبر دليلاً شرعياً. بل إجماعهم على أنّ هذا الحكم حكم شرعي، أو على أنّ الحكم الشرعي في واقعة كذا هو كذا، أو أنّ حكم الواقعة الفلانية شرعاً هو كذا، هذا الإجماع هو الدليل الشرعي. فإجماع الصحابة المعتبر إنما هو الإجماع على حكم من الأحكام بأنه حكم شرعي، فهو يكشف عن أنّ هناك دليلاً شرعياً لهذا الحكم رووا الحكم ولم يرووا الدليل)([1]) .

وعلى هذا الكلام مؤاخذات جمة:

1- إيهام القارئ بأنّ الإجماع مصدر غير الكتاب، والسنة، وهو ليس كذلك عندهم.

2- ما أطلقوا عليه اسم الإجماع هو في الحقيقة باعترافهم، نقلٌ لمعنى، ومدلول النص دون اللفظ. بغض النظر كيف ينقل ذلك عن الصحابة، سواء كان بشكلٍ متواتر أو آحاد.

3 -تسليمهم بإمكانية اندثار النص، وبقاء الحكم.

4 – اتفاق الصحابة على إهمال رواية النص.

وكما هو واضح بشكل جلي من قولهم السابق: ((رووا الحكم ولم يرووا الدليل)) أنّ مسألتهم هي بمثابة النقل للنص بالمعنى دون اللفظ بشكل متواتر، وسموا ذلك إجماعاً مجازاً، وأضافوه للمصادر الشرعية اللذين هما الكتاب، والسنة، كمصدر ثالث ولكنْ بشكل صوري فقط؛ إذ هو بعد التحقيق ما هو إلا نص شرعي، ولذلك عُومل معاملة النص من حيث التخصيص للقرآن، والنسخ للحديث النبوي وما شابه ذلك؛ لأنّه عندهم هو نص شرعي كغيره، وهذا تدليس ما بعده تدليس، فلماذا أفردوه وحده؟ وأوهموا الأمة أنه غير الكتاب، والسنة واعتبروه مصدراً ثالثاً؟. وبعد جلاء الحقيقة وفهم قول من يقول بحجية إجماع الصحابة حصراً. وتبين أنّ ذلك لا يسمى إجماعاً، وإنما هو بمثابة النقل المتواتر للنص الشرعي، ولكن بالمعنى دون اللفظ. وهذا أمر معروف في علم الحديث.

نعلم أنه لا إجماع عند هؤلاء بالمعنى المطروح الذي هو الإجماع الاجتهادي لا للصحابة، ولا لغيرهم من أمة محمد r وكلهم أمام شرع الله سواء.

بيدَ أن هناك أمر وهو على درجة من الأهمية، ألا وهو تسليمهم بإمكانية اندثار النص الشرعي مع بقاء حكمه. فكيف يتأتى بقاء الحكم مع ذهاب الوعاء الذي يحفظه، ويوصله للآخرين، ألا وهو اللفظ.

وقد ردّ هذه الشبهة الإمام ابن حزم بشكل مطول في كتابه الأصولي([2])؛ حيث قال: ((لا إجماع إلاّ على نص. وذلك النص: إما كلام منه عليه السلام، فهو منقول ولا بدّ محفوظ حاضر. وإمّا عن فعل منه عليه السلام، فهو منقول أيضاً كذلك. وإمّا إقراره فهي أيضاً حال منقولة محفوظة)). وهذا طبيعي؛ لأنّ الله سبحانه  تعبدنا بأوامر ونواهي، وهذا يقتضي حفظها واستمرار وجودها إلى ما شاء الله تعالى.

2 – أما الإجماع عند الشيعة، فلقد قالوا إنه: كشف عن قول المعصوم ينقل بشكل متواتر([3]). واستدلوا عليه بقوله تعالى{ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً } [ الأحزاب:33]. ومن خلال تعريفهم، نعلم أنّ الإجماع عندهم شكل لا مضمون له؛ إذ ليس هو بمثابة الإجماع الاجتهادي، وإنما بمثابة النقل لرأي الإمام المعصوم في المسألة دون لفظه. فيكون بذلك من باب الرواية للسنة بالمعنى، وبذلك انتفى الإجماع الذي هو محل الخلاف؛ لأن رأيهم صراحة متطابق مع من قال بإجماع الصحابة، ويختلف في أنهم جعلوا كشف الدليل قائماً في أهل البيت من الصحابة، واستمر ذلك الكشف للفروع من أهل البيت بعد وفاة النبي r، ولا غرابة في ذلك لأنّ الإمام عندهم معصوم، فقوله سنة بذاته سارية المفعول، ولسنا في صدد مناقشة عصمة الأئمة فهي مسألة([4]) متصادمة مع الواقع الإنساني.

بقي قولهم: إن الإجماع هو كشف عن دليل لم ينقل إلينا، وإنما نقل فحواه بشكل متواتر.

وهذا الكشف لا يتأتى قطعاً إلا لمن عاصر الرسول r. وبذلك يخرج فروع أهل البيت فيبقى الأصول من أهل البيت، وهم من الصحابة ينطبق عليهم ما ينطبق على الصحابة من أحكام. وبذلك نعلم فساد استدلالهم بنص الآية السابق؛ لأنّ دلالة الآية ليس فيها ما ذهبوا إليه من استدلال وإنما كل ما فيها هو أنّ الله سبحانه يريد أن يذهب الرجس الذي هو الريب، والافتراء، والطعن، وما شابه ذلك عن أهل البيت الذين هم أزواج النبي r. وخاصة أنّ الآية جاءت في معرض الكلام على نساء النبي r، وذلك بقوله تعالى{يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً }{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً } {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً } [ الأحزاب:32 ـ 34]. فلا معنى لتحميل الآية ما لا تحتمله؛ إذ لا دلالة فيها لا من قريب، ولا من بعيد على حجية إجماع أهل البيت لا الأصول الذين صحبوا النبي r، ولا الفروع الذين جاءوا بعد وفاة النبي r، وكل ما في الأمر أنّ أهل البيت من الصحابة لهم ما للصحابة من أحكام الرواية. وكذلك الذين بعد وفاة النبي r فلهم أيضاً كباقي العلماء المسلمين من حيث الرواية، والدراية، ولا حجة لأحد في قوله بذاته، ما منا إلا ويُؤخذ من قوله، ويُرد عليه إلا المعصوم وهو الرسول r.

أما الوجه الآخر لمفهوم أهل البيت فهو أن البيت في الاستخدام القرءاني يقصد به المسجد لحرام، وكلمة(أهل) هم سكان المسجد الحرام، فيصير مفهوم أهل البيت يتعلق بسكان مكة يطلب الله منهم الالتزام بهذه الأحكام حتى يصيروا طاهرين ويتميزوا عن الآخرين ويستحقوا أن يكونوا أهل البيت، وبالتالي لا يوجد ما يسمى أهل بيت النبوة، وليس لهم أي ميزة عن غيرهم من الناس قط.

3 ـ الإجماع عند الجمهور: هو اتفاق علماء الأمة في عصر من العصور على حكم مسألة دينية اجتهادية، أن حكمها الشرعي كذا.

واستدلوا على هذا الإجماع، بقوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً } [ النساء:115]. وبقول النبي r: ((إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة))([5]).

وقد ردّ الإمام الغزالي هذه الحجج، في كتابه ((المستصفى)) فقال ما ملخصه: لا حجة في دلالة الآية السابقة؛ لأنّها ظنية الدلالة والأقرب للصواب في دلالة الآية، هو أنّ الهدى المذكور يقصد به التوحيد، والإيمان بالله، وليس الفروع من الأحكام الشرعية. وعكس الهدى هو الضلال ومعنى الآية هو: ومن ينحاز عن الرسول من بعد ما آمن وتبين له التوحيد والإيمان إلى صف الكفر ويدخل تحت لوائهم، نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً.

وكذلك قال في الحديث النبوي، وإنه لا حجة فيه على إجماع العلماء؛ لأنه ظني الثبوت، ومسألتنا مسألة أصولية تحتاج إلى القطع في الدليل، ناهيك عن أنه ظني الدلالة؛ لأن لفظة الضلالة في الحديث يقصد بها الكفر، والشرك الذي هو ضد الهدى فلا يمكن أن تجتمع الأمة كلها على ترك دين الله سبحانه وتعالى، والكفر به، بل لا تزال طائفة من الأمة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم إلى يوم الدين([6]).

4 ـ إجماع علماء الأمة على نقل الحكم الشرعي بشكل متواتر.

وممن ذهب إلى ذلك الإمام ابن حزم في كتابه ((الإحكام)) فقال: لا إجماع إلا على نص، وأيده ثلة من العلماء بعده كالشوكاني، وأحمد شاكر من المعاصرين وغيرهم.

وهذا الإجماع في الحقيقة أيضاً تدليس؛ لأنه شكل لا مضمون له، فليس هو الإجماع المعتبر مصدراً شرعاً، وليس هو محل البحث والخلاف؛ لأنهم صرحوا أنه نقل متواتر للنص الشرعي، وهو من باب الرواية، وليس من باب الاجتهاد فتسميته إجماعاً مغالطة، أشبه بأختها السابقة التي هي إجماع الصحابة على نقل وتطبيق لمعنى نص شرعي مفقود؟!.

ومسألتنا نقلٌ وتطبيق للمعنى واللفظ لنص موجود، فتأمل!.

وكونها خرجت من الإجماع الذي هو محل الخلاف كفى الله المؤمنين القتال؛ لأنه إذا وجد الماء بطل التيمم، والحجة في النص وليس فيمن رووا النص سواء كانوا متواترين، أو آحاداً. فليس هم محل فقه النص وإنما النص نفسه هو الحجة، وما الرجال إلا وسيلة لتوصيل النص.

هذا جانب للمسألة، أمّا الآخر: فإن النص إذا جاء بشكل متواتر، ولكنّه ظني الدلالة واتفق العلماء على اختيار معنى من المعاني المحتملة، لا يعني ذلك نفي الدلالة الظنية عن النص. ولا يعني أيضاً إلزام الأمة لاحقاً بالفهم الظني المختار من قبلهم، ولا يعني رفع احتمال الخطأ برأيهم لأنهم اجتمعوا. فما هم إلا مجموعة من الرجال وينطبق عليهم ما ينطبق على الفرد من الخطأ والنسيان؛ لأن مجموع المحدودات محدود بداهة مهما كثرت المحدودات.

ولا يصح الاستدلال بالحديث السابق لأمرين:

الأول: مسألتنا مسألة أصولية، ويلزمها دليل قطعي، والحديث ظني الثبوت([7]).

الثاني: الحديث ظني الدلالة، كما تقرر ولم تصح لفظة /خطأ/ عوضاً عن الضلالة في الحديث. كما قرر أهل العلم بالحديث([8]).

لذا؛ إجماع العلماء على معنى من معان النص لا يخرج ذلك عن كونه رأياً اجتهادياً جماعياً ينطبق عليه ما ينطبق على الرأي الاجتهادي الفردي سواء بسواء.

وبعد هذه الجولة السريعة في تراثنا، ودراسة مسألة الإجماع. علمنا أنّ الإجماع في الشرع الإسلامي الذي مارسه الصحابة الكرام حينما بايعوا أبا بكر خليفة، وحينما جمعوا المصحف وما شابه هذه الأمور المتعلقة بمصلحة الأمة، ورعايتها. أن الإجماع إنما هو إجماع سياسي، مرتبط بالظروف والزمان والمكان، تأخذ به الدولة حين وضع التشريع؛ لأنه بمثابة رأي الأمة وعلمائها وليس فيه صفة الاستمرار والديمومة؛ لأنه اجتهاد جماعي منبثق من ظروف معينة، ووضع لمعالجة واقع، فلذا يجب إعادة النظر في التشريع كل فترة زمنية معينة والتشريع الذي يجمع عليه علماء الأمة، ويتبناه الحاكم يصبح ملزماً للأمة، ويجب تطبيقه؛ لأن أمر الإمام نافذ وطاعته واجبة، ولكل زمان دولة ورجال.

([1]) الشخصية الإسلامية جـ 3 للنبهاني.

([2]) الإحكام في أصول الأحكام.

([3]) أصول الفقه محمد رضا المظفر.

([4]) راجع نقاش مفهوم العصمة في كتابي تحرير العقل من النقل.

([5]) الرسالة للشافعي، الإحكام للآمدي.

([6]) راجع المستصفى للإمام الغزالي، والشخصية الإسلامية جـ 3 للنبهاني.

([7]) راجع بحث خبر الآحاد. من نفس الكتاب .

([8]) راجع المستصفى للإمام الغزالي، والشخصية الإسلامية جـ 3 للنبهاني.