كائن فكري خرافي بثلاثة رؤوس

  نتيجة الظلم والتخلف والجهل والاستبداد والاستعباد والفقر والحرمان، أو اتباع  الشهوات والشبهات ظهر كائن خرافي بثلاثة رؤوس ينشر الضياع والضلال ويشكك الإنسان بوجود نفسه أو ذاته ، بل؛ ويجعله ينفي عن الأخلاق والقيم ثباتها الإنساني( الصراط المستقيم) ، ويتحرك رأس الكائن الخرافي حسب الظرف المناسب له ، فمن لم يفترسه رأس افترسه رأس آخر، وهذه الرؤوس تقوى بالجهل والتخلف وغياب طريقة التفكير العلمية بنوعيها العقلية المنطقية والتجريبية.

– الرأس الأول الإلحاد: وهو موقف نفسي اجتماعي وليس فكراً ولا منهجاً علمياً، وهو حركة انفعالية نتيجة الوضع والظروف الصعبة والسيئة التي يمر بها المجتمع وتصيب الفرد بطبيعة الحال كونه جزء ينتمي إليه، فيتمرد على ما يظنه هو سبب المشكلة ويكون عادة بإنكار خالق للسموات والأرض وما يترتب عليه من إنكار كل ما هو ينتمي إلى دائرة الغيب حتى أنه أنكر وجود نفسه بين جنبيه؛ بل أنكر وفاتها وأثبت الموت فقط لأنه ظاهرة مشاهدة تحصل أمامه، ولأن الوفاة للنفس تثبت سرمدية النفس ومغايرتها للجسم، وتثبت البعث والحياة الأخرى لها فيما بعد، والحساب والمسؤولية، وأحيانا ينكر وجود ذاته كوجود حقيقي موضوعي خارج الذهن، وفسر كل شيء تفسيراً مادياً حتى الشعور بالحب هو تفاعلات كيميائية ممكن يتعاطاها الإنسان ويحفز الجهة المسؤولة ويعمل عنده الشعور بالحب، والملحد بحالة تمرد وتساؤل دائم وضياع ومازال البحث جارياً عنده عن أجوبة إلى ما لانهاية.

– الرأس الثاني الربوبيون: وهم تيار إلحادي غيَّر لون قبعة رأسه فقط من الأحمر الإلحادي إلى لون آخر، وذلك بعد أن اكتشف أن إنكار وجود خالق للسموات و الأرض وإنكار وجود بداية حتمية للكون أمر مخالف للمنطق والواقع والعلم لأن  الإلحاد  موقف جنوني عنادي وهو أمر غير مستساغ عموماً بين الناس ومرفوض، فقالوا: بوجود خالق أزلي للكون ، وأن الكون له بداية قطعاً، ولكن الخالق بعد أن خلق الكون تركه ولم يعد يدبر أمره ، فهم أثبتوا مقام الخالق لله وأنكروا مقام الرب له، ومن هذا الوجه سموا أنفسهم ربوبيين من باب تسمية الشيء بعكس ماهو عليه للفت النظر للفكرة ، ومعظم العلماء الطبيعيين يتبنون هذا الموقف ، يثبتون الخالق وينكرون الربوبية له ، ويتعاملون مع الكون على ما هو عليه، وهذا الموقف هو أكثر انتشاراً بين الناس لأنهم يرون أنه حل وسط  وحافظوا على عقلهم ومنطقهم، وبالوقت ذاته تعاملوا مع الكون على أساس أنه مستمر إلى ما لانهاية وما يجري فيه إنما هو حركة حتمية للكون ، وحركة اجتماعية للإنسان يعيث بها فساداً وسفكاً للدماء ولكن لا قيمة لذلك لنفي المسؤولية و المحاسبة عنه.

– الرأس الثالث اللا أدري: وهو موقف إلحادي ربوبي مجتمعين مع بعض في كائن واحد، بمعنى هو لا ينكر وجود خالق وبالوقت ذاته لايثبت وجوده، فهو لايدري ! وكذلك موقفه من كل المفاهيم الأخرى المتعلقة بالخالق ودائرة الغيب.

– نلاحظ أن المواقف الثلاثة الانفعالية تندرج تحت مسمى واحد هو “اللاديني”، ويعني نفي ربوبية الله ونفي البعث بعد الموت والحساب، وبالتالي نفي كل مايتعلق بهذا الفكر والمنهج ضرورة مثل نفي الحرام والواجب الديني، ونفي وجود النفس بشكل مغاير للجسم ، ونفي ثبات الأخلاق الإنسانية  وعدها إنتاج إنساني اجتماعي قابلة للتطور والتغير النسبي حسب أدوات المجتمع ونمط حياته.

وهذه المواقف الثلاثة( اللادينية) سماها القرءان باسم “الدهريين ” لأن القاسم المشترك بينهم جميعاً هو إنكار البعث بعد الموت وبالتالي نفي الحساب والمسؤولية، وهذا يترتب عليه أن الحياة الدنيا عندهم لعب ولهو وتفاخر بالأموال والأولاد والبنيان وإشباع الشهوات، وما يهلكهم إلا الدهر، والحياة عندهم تافهة مملة رغم كل الملذات والشهوات التي يحيطون بها أنفسهم.

 {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ }الجاثية24

{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ }الحديد