النفس لا ذكر ولا أنثى
إنّ النّفوس، من حيث أصل الخلق، ووُجُودها،إنَّما هي متماثلة، والفرق بينها، يَتَأتى من عملية استخدام النّفس، وتفعيلها بالمفاهيم والمعلومات؛ فلذلك كان للبيئة الاجتماعية الدّورَ الأكبرَ، والأساسَ في صنع النّفس ابتداءً من الأسرة، وانتهاء بالمدرسة والمجتمع، فالنّفس قابلة للصلاح بالتزكية، وقابلة لأن تكون نفساً شريرة ً، بتدسيتها، وكل نفس تتميز عن النّفس الأخرى، عندما تَدخُل الجنين البشري، ويبدأ هذا الكائن في عملية تفعيل نفسه،بواسطة تفاعله مع البيئة، فتظهر نفس زيد، وأخرى نفس زينب، وهكذاتتمايز النّفوس، وتختلف عن بعضها، ويظهر استقلالها الفردي في الواقع.
(كل مولود يولد على الفطرة حتى يََعربَ عنه لسانه فأبواه يهودانه أوينصرانه أو يمجسانه) (أبو يعلى، والبغوى ، والباوردى ، والطبرانى ، والبيهقى عن الأسود بن سريع)
فالإنسان، ابن بيئته الاجتماعية ـ ابتداء ـ وابن اختياره وعياً، ورشداً، انتهاءً.
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } (الرّوم 21).
إن الخطاب، موجه إلى الإنسان؛ بشقيه (الرّجل والمرأة) على حد سواء، يخبر الخالق أنَّ الرّجل يسكن إلى المرأة، والمرأة تسكن إلى الرّجل، وأنه جعل بينهما مودة ورحمة؛ ذلك لأجل التّكامل، والانسجام، والتّلاؤم بينهما؛ فيقومان ـ معاً ـ بإنشاء أسرة قائمة على السّكن والمودة والرّحمة والدّفء العاطفي، وقد جعل الرّب ـ سبحانه ـ هذهالعلاقة، آية من آياته، حضَّ على دراستها؛ وتحصيل المعلومات عنها؛ للوُصُول إلى بناء النّظام الاجتماعي؛ لذلك أنهى نص الآية بقوله (لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ).
وبما أن أصل خلق الجسم البشري، إنَّما يرجع إلى مادَّة التّراب، وأصل خلق النّفس، هو من مارج من نار، فقد قال تعالى: {مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } (لقمان 28 ).
فعملية خلق النّاس، وبعثهم ـ بعد الموت ـ هو أمر هين وسهل على الخالق المدبر، بل، هو أهون من ذلك أصلاًً، لأنَّ الفعل فعله، ومن يفعل شيئاً، فإنه يستطيع أن يعيده بداهة، كما أن صور هذه الأجسام، إنَّماهي من مادَّة واحدة (التّراب والماء) قد ظهرت بصُور كثيرة، أما النّفوس فتجمع ـ بعد انفصالها عن الأجساد ـ في مقبرة برزخية إلى أن يحين يوم البعث.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } (الأنعام98).
فالاستقرار: هو حالة لبوس النّفس للجسم في الحياة الدّنيا، والعيش من خلاله.
المستودع: هو مكان لتجمع النّفوس فيه( مقبرة)، بعد انفصالها عن الأجساد.
اضف تعليقا