ثورة أم انتفاضة، دينية أم إنسانية

ثورة أم انتفاضة، دينية أم إنسانية

حصل لغط واضطراب كثير من أول ما خرجت الجماهير ضد حكامها في الشعوب العربية، وظهر سؤال مهم جداً: هل هو ثورة أم انتفاضة؟

وللجواب على ذلك لابد من ضبط المفهومين.

مما لاشك فيه هو حصول حدث عظيم في الشعوب العربية ربما  لا يوجد له سابقة في التاريخ، فهذا ليس محل نقاش، ومن الخطأ إنكاره وإغماض العين عنه وكأنه لا يوجد شيء في الواقع، ولكن هل ما حصل هو عمل مدروس ومخطط له مسبقاً وله قيادات وأجندة  ثقافية وسياسية ؟ والواقع يقول : إن الحدث حصل بشكل عفوي وارتجالي وانفعالي ضد ممارسات قمعية تناولت مختلف شرائح المجتمع، واستطاعت الأجهزة القمعية من خلال الممارسات الوحشية الهمجية أن تدفع بالتصاعد الجماهيري إلى عسكرة الحراك حتى تُوجد مبرراً لقمعه واستمرار ممارسة العنف ضده، ونحن ليس بصدد صواب أو خطأ الاتجاه العسكري للحراك الجماهيري، ونعرف تماماً ما يجري على الأرض من قبل السلطة الغاشمة من ممارسات تشيب لها الولدان، وتجعل الرجل الحليم  يفقد صوابه وينفعل ويغضب لانتهاك حرماته أي كان نوعها.

– الثورة: هي حركة مجموعة منظمة ضمن مجتمع لها أجندة ثقافية وسياسية ورؤية لإدارة الدولة والمجتمع مغايرة لأجندة السلطة ورؤيتها وتعمل لإزالتها  وَفق عمل سلمي ثقافي يقوم على تغيير البنى التحتية للمجتمع والدولة.

وهذا التعريف لا ينطبق على ما حصل في بعض الشعوب العربية ، والواقع يؤكد ذلك من خلال استمرار الاضطراب والتناحر في البلدان التي سقط  فيها الطغاة (تونس، ومصر، وليبيا، واليمن).

– الانتفاضة أو الحراك: هو انفعال ورد فعل نتيجة ممارسة الضغط  والشدة مما أدى إلى انفجار الوضع، وهذا التعريف ينطبق على ما حصل في البلدان العربية، ومن الطبيعي أن لا يكون للانفجار الشعبي قيادات ومسؤولين وموجهين له، ولا يوجد رؤية سياسية للمستقبل ولا أجندة ثقافية جاهزة مغايرة للثقافة التي فرخت السلطة الغاشمة، ولا يوجد خطة عمل….الخ، وهذا ينفي وجود قادة ثقافيين وزعماء سياسيين للحراك على الأرض، – ولا يعني عدم وجود مثقفين أو سياسيين معارضين للسلطة يؤيدون الحراك الشعبي ويتابعون تطوره ويحاولون أن يوجهوه ما استطاعوا- بل؛ وينفي وجود قائد عسكري واحد للفئة المنشقة عن الجيش أو المدنيين الذين التحقوا بالعسكرة ، وهذا الوضع يجعل  الأمر مربكاَ وشائكاً جداً ويعقد الأمر كلما طال الزمن ويسمح للأطراف الأخرى الخارجية بالتدخل وتوجيه الحراك ذات اليمنة أو اليسرى بما أوتوا من قوة  معلوماتية وتقنية واقتصادية وخبرة سياسية في المنطقة.

– إذاً؛ ما يجري في الشعوب العربية هو انتفاضة وحراك وليس ثورة، وهذا يوصلنا إلى أن الدين كمكون ثقافي أصيل في الشعوب العربية  ليس هو المنطلق في الحراك، والصراع بين الشعوب والسلطة ليس دينياً أو ثقافياً، وإنما صراع بين ظالم ومظلوم، صراع بين الجلاد والضحية، صراع بين الاستبداد والمشاركة، صراع بين الحرية والاستعباد، ولذلك كان الحراك شعبياً لا يمثل ملة أو عرق  رغم أن النظام حاول ومازال يحاول جعل الحراك طائفي مع عزل شريحة عرقية أو أكثر من الحراك رشوة بالمال أو بغيره من التسهيلات لهم، وهذا يدفعنا إلى تجنب فخ السقوط في هاوية الطائفية أو العرقية والحرب الأهلية، وعدم رفع أي شعار طائفي أو عرقي لأن هذا شعار حق يراد به باطل من قبل تكتلات ومؤسسات ودول خارجية لا تريد خيرا للشعب العربي، ولو أن السلطة طائفية وتتحرك وفقها، ولكن َلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، والإنسان يُكيّف سلوكه حسب مفاهيمه، ولا يُكيّف سلوكه حسب فعل الآخر كردة فعل على فعله، فالمجرم لا يُجابه بمثل عمله الإجرامي، وإنما يُجابه بصد عدوانه وتوقيفه عند حده، فنحن نحمل ثقافة إنسانية راشدة متمثلة بالثقافة الإسلامية ينبغي أن تحكم سلوكنا ولو مع المجرم المعتدي الظالم، لأن كل إناء بما لديه ينضح، ونحن لا نريد إسقاط الدولة ولا تدمير الوطن، وإنما نريد إسقاط السلطة الغاشمة الظالمة، ونريد الخير والبناء للدولة و الوطن، ومن أجل ذلك حصلت الانتفاضة لرفع الظلم عن الشعب على مختلف رؤاه دون تمييز أو تصنيف أو إقصاء لأحد مهما كانت ملته أو عرقه، ونرفع شعار التعايش الإيجابي، والتماسك الوطني، والنهضة بالمجتمع .

وما وصلنا إليه لم يعد بالإمكان الرجوع عنه أو تصويبه، أوالتمني لو أنه ما حصل، الحدث حصل ومستمر في تصاعده العسكري إلى أن يتحقق الهدف، وهو إسقاط الفئة الطاغية ، وينبغي أن نتعامل معه على هذا الشكل الحالي بحذر شديد لأننا نتعامل مع ذئاب وضباع، وخاصة من الدول التي تتآمر على الشعب العربي وتدعم السلطة الغاشمة.