الفلوس تُغير النفوس

عندما كنّا صغارًا نلعب في جوار الحي، كنَّا نشاهد رجلًا ذا لحية طويلة، ويلبس الجلابية إلى نصف ساقيه، ويضع غطاءً على رأسه، يُسمى الغَترة، يذهب إلى المسجد بصورة منتظمة لأداء الصلوات في أوقاتها، فحفظنا صورته في أذهاننا، واشتُهر في الحي بلقب الشيخ، ومع الزمن صار شيخ الحي، فلا تقام حفلة نكاح إلا ويُدعى إليها خطيبًا، ولا تحصل وفاة، إلا ويُدعى إليها مُلقنًا الشهادة للمشرف على الموت، وواعظًا لأهله، وتاليًا القرءان، وهكذا استمرت حركته في الحي بين أداء الصلوات، وحضور الحفلات، والمآتم، وتلاوة القرءان، والوعظ والإرشاد، والقيام بإفتاء الناس.

وكان الشيخ مُتشددًا مُتطرفًا في قناعاته وسلوكه الدِّيني، فكان يحُرّم التصوير والرسم، ويحُرّم التلفزيون، والغناء والموسيقا، ولِبسَ البنطال، وربطة القميص، وهكذا، يختار من الأمور أشدّها تَكَلُّفًا وتَطَرُّفًا وغُلُوًّا، فرفض الناس أفكاره، وأصيب بعزلة اجتماعية، ولم يعد يُدعى إلا من قبل بعض العائلات للأفراح والمآتم مع عدم قناعة الناس بما يقول أو يفعل، ولكنهم تعودوا أن حضور الشيخ هذه المناسبات للبركة، أما العائلات الأخرى فدرجت على دعوة المطربين والمطربات لإحياء الحفلات.

ومضى زمن على ذلك، وانتقلنا من الحي إلى آخر، وبعد عدة سنوات زرت صديقًا في الحي القديم، وبعد انتهاء الزيارة نزل معي مشيِّعًا إلى ناصية الشارع، وإذ بسيارة سوداء طويلة جديدة تحمل لوحة بلد خليجي، تقف إلى جوارنا، وينزل منها رجل كهل يلبس طقمًا فاخرًا، حليق اللحية والشارب، وآثار النعمة ظاهرة عليه، مرَّ الرجل أمامنا مُلقيًا السلام، فرددنا التحية بأحسن منها، وتابع سيره دون أن يقف، كعادة رجال الأعمال الكبار.

فقلت لصاحبي: من هذا الرجل، كأنه ليس غريبًا؟

فأجاب ضاحكًا: لن تُصدق من هو!

قلت: ومن هو؟

قال: إنه الشيخ راغب، شيخ الحي ذو اللحية الطويلة!

قلت: عجبًا! ماذا حصل له؟ وأين لحيته وجلابيته؟

قال: بعد أن انتقلتم من الحي، حصل على تأشيرة زيارة إلى الخليج، فسافر وأقام هناك، ومارس التجارة حتى بَرِع فيها، واستطاع أن يُكَوِّن ثروة لا بأس بها. وأثناء عمله في التجارة كان يسافر إلى تايوان وغيرها من البلاد الأجنبية، وهذا أثّر على أفكاره، وانفتح على الدنيا وانعكس ذلك على سلوكه رويدًا، رويدًا، حتى اختفت لحيته، وخلع الجلابية، وامتلك هاتفًا خلويًا، واقتنى أحدث الأجهزة الكهربائية، وابتعد عن الأفكار المتطرِّفة والمتشدِّدة، إلى درجة أنه لم يعد يذهب إلى المسجد، إلَّا إلى صلاة الجمعة فقط، وفي آخر الخطبة ليؤدِّي الصلاة وينصرف.

قلت: سبحان الله! إنّ الفقر والجهل هما التربة الخصبة للتطرف، والتشدد، والانعزال عن المجتمع والتقنية، ورفض الآخر.

قال: إنّ الفلوس – يا صاحبي – تُغَيّر النفوس!

قلت: ذكرتني بأغنية خليجية تقول: اللي ما يطول العنب حامض عنه يقول!