المشيخة أسهل طريق للوصول إلى الثروة

كنّا مجموعة نتردد إلى مسجد الحي لإقامة الصلاة أو حضور الاحتفالات الدِّينية، ومن جراء عملية تكرار زيارة المسجد تَعرّف علينا أحد رُوّاد المسجد والقائمين عليه، وعرض علينا أن يُعلّمنا تلاوة القرءان والفقه، فاستجاب بعض منا، ورفض الآخرون.

ومضت أيام، وشهور وسنون، والتقيت أحد الذين التزموا بالمسجد والدروس الدِّينية، وكان قد أرخى لحيته، ووضع طاقية بيضاء على رأسه، ولبس الجلابية، وصار شيخًا، وتعانقنا، وسلمنا على بعضنا، ودار الحديث التالي بيننا:

قلت: مضى زمن طويل لم نر بعضنا.

الشيخ: نعم! فالعمر يمضي دون توقف.

قلت: إلى أين وصلت بالدراسة؟

الشيخ: لقد لزمت المسجد، وحفظت النَّص القرءاني كله مع التجويد، وحصلت على إجازة في ذلك من قارئ مشهور، كما أني حفظت مُعظم مَنظومات أمَّهات العلوم، مثل ألفية ابن مالك في النحو، والرَّحَبية في الفرائض وغيرها من المتون.

قلت: وما الفائدة من هذه المحفوظات كلها؟

الشيخ: الفائدة! هي أدوات لازمة للشيخ حتى يستخدمَها في عملية الوعظ والإرشاد؛ لأنها تُعطيه نبعًا من المفردات والمعلومات التي لا تَنضب.

قلت: ماذا استفدت من ذلك خلال حياتك؟

الشيخ: بصراحة! وبيني وبينك! لقد حصلت على منزل من أهل الحي الذين أخطب في مسجدهم، كما أني أحصل على مساعدات دائمة من أموال التبرعات، ولقد وعدوني بإعطائي سيارة بعد فترة قريبة، وأحظى بالاحترام في أيِّ مكان أذهب إليه.

قلت: هذا معروف! فالشيخ يُحب الصُّدور كلها، سواء أكانت صدور المجالس، أم صدور الطعام، أم صدور…

الشيخ: بصراحة، الحياة صعبة جدًّا، وأنا لا أتحمل التعب، والنَّصب، والزمن الطويل للحصول على شيء قليل، وغالبًا يأتي في غير وقته.

قلت: ولكن هكذا الحياة، إنها مُعاناة، وتعب، وجهاد وعرق، وتضحية للحصول، أو الوصول إلى الأهداف.

الشيخ: ولكن إن وُجد طريقٌ أقصر، وأخفُّ وطأة لماذا لا نَسلكُه؟ ولا أخفي عليك، لقد فكَّرتُ في الأمر مَليًّا، حتى وصلتُ إلى ثلاث طرائق، يستطيع الإنسان من خلالها أن يصل إلى رغد العيش، والغِنى والمنصب والمجد.

قلت: أخبرني ما هي، حتى أستفيد من تجربتك العظيمة؟

الشيخ: اسمع! وأجري على الله U.

الطريقة الأولى: أن تنخرط في العمل السياسي الموالي للنظام الحاكم، وتدور في فلكه، وتُردّد ما يُقال لك، وتخدم النظام، فيكافئك بإطلاق يدك في الأموال العامة، ويصرف بصره عن مخالفاتك المالية وغيرها، فتحصل على ثروة كبيرة في وقت قصير،ولكن هذه الطريقة غير مأمونة الجانب، لإمكانية زوال النظام وحلول آخر مكانه، فيتم تجريدك من كل شيء، وتصير عدوًّا للوطن، وخائنًا، ويمكن أن تُسجن، أو تُنفى، أو حتى تُعدم! فأعرضت عن ممارسة السياسة.

– الطريقة الثانية: أن تقوم بأعمال إجرامية، من سطو وسرقة، وهذه طريقة خطرة جدًّا، وقصيرة المدى، وعقوبتها وخيمة. فأعرضت عنها.

الطريقة الثالثة: أن تَسلك طريق المشيخة فتحصل على مزية الطريقة الأولى من منصب ومجد، وتحصل على مزية الطريقة الثانية بتحصيل ثروة كبيرة، وكل ذلك بصورة آمنة، فعوضًا عن أن تَمُدَّ يدك إلى جيب الناس، يقوم الناس من تلقاء أنفسهم بإعطائك ما في جيوبهم! والمطلوب منك أن تُبرر وتُبارك أيَّ عمل سياسي يقوم النظام به، وتُوجد له مُبررًا شرعيًّا من الموروث الدِّيني، فيستمر الناس في تمجيد السلطان والخوف منه، فتنعم برضاه، ويتم إطلاق يدك في جيب الناس من خلال السماح بجمع التبرعات، وأنت تعلم أن العاملين على ذلك لهم نسبة مئوية معترف بها شرعًا وقانونًا، فاخترت هذه الطريقة الآمنة، التي لا تتأثر بتغير النظام والزمان!

قلت: أفهم من كلامك أنَّ أقصر وأسلم طريق للوصول إلى قلوب الناس، وجيوبهم هي المشيخة والتجارة بالدين!

الشيخ: بصراحة! نعم.

قلت: واحسرتاه على القيم والمبادئ والأخلاق من رجال السوء.

الشيخ: وأنا أقول ذلك، وحزين على الوضع الذي وصلتُ إليه، ولكن، يا صاحبي! لعن الله الظلم، والفقر والجوع، والحق على من يُتاجر بحرية الناس، وذممهم، فهو المسؤول عن هذه الأوضاع.

قلت: ولكن الحل يا شيخ! ليس الانزلاق في الفساد والرذيلة والدناءة!

الشيخ: لا أستطيع أن أعيش فقيرًا جائعًا محرومًا، إنها حياة صعبة!

قلت: ألم تسمع قول الشاعر الذي يقول:

قف دون رأيك في الحياة مُجاهدًا                      إنَّ الحياةَ عقيدةٌ وجهاد

الشيخ: إن الكلام سهل جدًّا، ولكن تطبيقه يحتاج إلى رجال عُظماء، وبصراحة! أنا لست منهم، وأرجو المعذرة منك، أريد الانصراف.