اليهود، وهادوا في الاستخدام القرءاني

المتتبع لكلمة (اليهود) في القرءان يجد أنها دائماً تُذكر بسياق اللعن، والغضب، والذم، ولم يوجه الله خطاب التشريع لهم، ولم يبعث فيهم أنبياء، بخلاف الذين هادوا فقد توجه الشارع لهم بالخطاب والتكليف، وعدم توجيه الخطاب لليهود شيء طبيعي، لأن الناس الذين ارتضوا لأنفسهم صفة (التهود)، لا يصلحون للخطاب، لأنهم لا يسمعون إلا صوتهم، ولا يرون إلا أنفسهم، وهم أحاديو النظرة إلى الحياة، ومنغلقون على أنفسهم، وعدوانيون، وإرهابيون، وسلفيون في أفكارهم، فهم بمثابة سرطان اجتماعي يُهلك أي فكر، أو ثقافة يتكاثرون فيها.
اقرأ قوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ اليَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} (المائدة 82).
وقوله: {وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ} (المائدة 64).
فكلمة (اليهود) لا تدل على أتباع موسى، ولا علاقة لهم ببني إسرائيل، فهم ليسوا أتباع أي نبي، ولا يوجد عندهم كتاب إلهي، ولا تدل على عرق، وإنما تدل على ملة مجتمعة على عقيدة معينة، تقوم على النظرة الأحادية، والفوقية، والسلفية، والانغلاق على الذات، ومشبعة بالحقد، والكراهية للآخر إلى درجة إزالته من الحياة، ويتبنون في دعوتهم الإرهاب والعدوانية، وهذه الصفات لا دين لها، أو جنس، وإنما يمكن أن تنشأ وتتكاثر في أي فكر، أو ثقافة بصورة فيروسية، وبالتالي يصير من ينهج هذا المنحى من التطرف، يهودياً، ولو كان في الظاهر ينتمي إلى الإسلام، أو المسيحية، أو غيرهما.
وهؤلاء (اليهود) الذين ارتضوا لأنفسهم هذا المنهج اليهودي، هم الذين لعنهم الله، وغضب عليهم في كل زمان ومكان، وجعل منهم قردة وخنازيراً. اقرأ قوله تعالى:
{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ} (المائدة 60).
والجعل لهم قردة وخنازير، إنما هو تغير وصيرورة في نفوسهم لا مسخ أجسامهم، بمعنى أنهم صاروا مثل القردة في عملية التقليد الأحمق، ومثل الخنازير دناءة وفساداً وخبثاً، وهؤلاء الخنازير والقردة، هم من نَهَجَ فكر التَهود، فصار يهودياً، بصرف النظر عن انتمائه العرقي، أو الطائفي.
لذا، ما ينبغي أن ينتسب الإنسان ذو الفكر السلمي المنفتح على الآخرين، إلى اليهودية، لأن ذلك يُسيء إليه، ويتناقض مع معطيات فكره، ويعرض نفسه للاحتقار من قبل الآخرين الذين لا يعرفونه على حقيقته، وبناء على ما ذكرت ينبغي ضبط المفاهيم، واستخدامها بصورة صائبة، حتى لا يتم الخلط، أو التلاعب فيها، واستغلال العاطفة الدينية للشعوب.
فمن كان ينتسب إلى النَّبيِّ موسى، فليُسمِّ نفسه، موسوياً، أو إبراهيمياً، أو مسلماً، وينبغي حذف اسم إسرائيل عن سلطة اليهود، واستخدام الوصف المناسب لهم، وهو، الكيان اليهودي الغاصب، وتوضيح أن هؤلاء اليهود ليسوا أتباع النَّبيِّ موسى، ولا يُمثلون ذرية بني إسرائيل، وإنما هم كتلة يهودية إرهابية متطرفة، لا دين لها قط.
أما كلمة (هادوا) فقد تعلق النَّصُّ القرءاني بها خطاباً، وتوجيهاً، وأمراً ونهياً، اقرأ قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ} (المائدة 44).
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة 62).
{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (النحل 118).
{فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً} (النساء160).
فكلمة (هادوا) من (هاد) ومضارعها (يَهيد) مثل باع يبيع، وصار يصير، التي تدل على حركة الإنسان بصورة مؤرجحة بإثارة وامتداد زماني ومكاني منتهية بدفع شديد، فهي تدل على حركة الإنسان غير المستقرة، ولكنه يندفع إلى الأمام رغم ذلك، فهؤلاء مضطربون بحركتهم نحو الأمام وقَبولهم للحق، فكانوا محل خطاب من الله، وتوجيه، وبَعث فيهم الأنبياء ليأخذوا بيدهم، ويهدوهم إلى الصراط المستقيم، ونزلت التوراة عليهم، بخلاف اليهود تماماً، فلم ينزل إليهم أي كتاب إلهي قط، ولم يُبعث فيهم أنبياء، ولم يخاطبهم الله إلا بصيغة الغضب واللعن والذم.
أما قوله تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ} (الأعراف 156). فقد استخدم الله كلمة (هُدنا)، وهي لا علاقة لها بكل من كلمة (هادَ) أو (هَوَدَ)، وإنما هي الجذر الثنائي ذاته (هدْ) وأضيف له ضمير الرفع (نا)، وتدل على الأرجحة المنتهية بدفع شديد، نحو جهة منهما ضرورة، ومن هذا الوجه فُسِّرت بالتوبة، أو بالرجوع إلى الله، وهي بمثابة من دفع نفسه إلى الله إسلاماً.
وكلمة (هُود) هي جمع لكلمة (أهود)، مثل كلمة (عُور) ومفردها (أعور)، وكلمة (أهود) يصح أن تستخدم في وصف الكلمتين (هاد، وهَوَدَ)، وسياق الكلام، ومحل الخطاب من الواقع يحدد المقصد منها، نحو قوله تعالى:{وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} (البقرة 135).
فحسب سياق الآية تعلقت كلمة (هوداً) بالفكر والمنهج، فتكون من (هَوَدَ)، وليس من (هاد)، فعندما نقول: إن زيداً أهود في فكره من عمرو، فيعني شدة يهوديته، من (هَوَدَ)، وإذا قلنا: زيد أهود في مشيه من عمرو، فيعني أكثر تمايلاً وأبطأ في حركته، من (هاد)، وبالتالي فدلالة اسم النَّبيِّ (هود) ليست من (هَوَدَ)، وإنما من (هاد).
الخلاصة:
اليهود: كلمة تدل على قوم اتخذوا في حياتهم منهجاً متطرفاً منغلقاً على أنفسهم ضد الحق والخير، وأخلدوا إلى الأرض وتشبثوا بالملذات والشهوات، وأغفلوا وجود اليوم الآخر من إيمانهم.
ومن هذا الوجه، صارت كلمة (يهودي)، شتيمة ومذمة بحد ذاتها، تُطلق على كل من اتصف بهذه الصفات (التطرف والانغلاق والعدوانية)، مع العلم أن اليهود لم يكن لهم وجود في زمن النَّبيِّ إبراهيم، ولا في زمن موسى، وَوُجدوا بعد موسى بزمن طويل، بينما عقيدتهم كانت موجودة كظاهرة لم تأخذ صفة التكتل، انظر مثلاً (عبادتهم للعجل)، وهم كانوا وراء المؤامرة على النَّبيِّ عيسى، ولا علاقة لبني إسرائيل عامة بذلك إلا من تَهوَّد منهم.
فكلمة (اليهود) لا تدل على جنس، وإنما تدل على عقيدة متطرفة إرهابية منغلقة على ذاتها، تكفيرية حاقدة، وما أكثر هؤلاء بيننا بأسماء مختلفة!.
لذا، ينبغي التفريق بين دلالة كلمة (هادوا)، وكلمة (اليهود)، وكلمة (بني إسرائيل).