الحد الأقصى للتعددية في نكاح النساء
( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ) النساء 3
إن محور النص كما هو ملاحظ كفالة اليتامى من خلال نكاح أمهاتهم ، والعدل المذكور في النص يعود إلى اليتامى المختلفة أمهاتهم لأن العدل بين النساء غير ممكن في واقع الحال [ ولن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ] وبالتالي لا يكون ذلك محل تكليف من الشارع لأنه يصير تكليف فوق استطاعة الإنسان ، بخلاف العدل بين اليتامى فهو محل تكليف لإمكانية حصوله في الواقع ، والنص يدل على وجوب النكاح من أمهات اليتامى بالشرط المذكور في النص وهو العناية باليتامى وصلاحية وانسجام الرجل و أم اليتامى لبعضهم بدلالة (ما طاب لكم)، وذلك لترميم الخلايا الاجتماعية، بخلاف التعدد في النكاح لمجرد النكاح فقط دون الشرطين السابقين فقد سكت الشارع عنه، والقاعدة تقول : الأصل في الأشياء الإباحة إلا النص أو ما دل عليه النص، ويخضع لقاعدة أن المباح لايطبق إلا مقيداً ، وهذا يعني أن على المجتمع وضع قوانين تنظم التعدد حسب مصلحة المجتمع سماحاً أو منعاً أو تقييداً، مع العلم أن ليس كل مباح مقبول أو ينبغي أن يمارسه المجتمع.
والشاهد من النص الذي هو محل دراستنا هو حد تعدد نكاح النساء.
ومن خلال دراستنا لمن تطرق إلى فهم وتحليل النص وجدنا أن الآراء المتعلقة بالتعددية هي أربعة آراء:
الرأي الأول : رأي جمهور المسلمين المتمثل بحصر التعددية بأربعة نساء فقط ، وذلك من خلال تطبيق المجتمع الأول الذي زامن نزول النص . ولم يتطرقوا إلى تحديد فهم النص القرآني كيف يتم في واقع الحال ؟
الرأي الثاني : وهو رأي بعض أهل الظاهر فقد قالوا : إن النص القرآني [ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ] فيه احتمال الجمع بين هذه الحالات ليصير الحد الأعلى للنكاح هو تسعة نساء !! .
الرأي الثالث : هو رأي أحد الباحثين المعاصرين(د.أحمد صبحي منصور) فقد قال : إن النص [ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ] مطلق وينبغي أن يبقى على إطلاقه ، ومجيء كلمة (مثنى وثلاث ورباع ) هي للتعداد إلى ما لا نهاية نحو قولنا : جاء القوم مثنى مثنى . وهذا لا يدل على مجيء اثنين فقط ! وإنما يدل على حالة المجيء للقوم مع عدم تحديد عددهم .
الرأي الرابع: قال :إن دلالة كلمة النكاح، وكلمة النساء، ليس المعنى الثقافي المعروف ، وإنما ذلك لمقصد آخر لأن النص القرءاني هو مفاهيم وليس كتاب أحوال شخصية، ولايوجد فيه تشريع أصلاً.
الكاتب الذي يكتب باسم ابن نبي في معراج القلم، وذهب في دراسة النص مذهباً خاصاً به.
لنناقش الآراء السابقة ابتداء من:
الرأي الثالث الذي يقول : بعدم وجود حد أعلى لنكاح النساء ، وإنما هو أمر مرتبط بتحقيق العدل بينهن ، وهذا يختلف من رجل إلى آخر .
وهذا الرأي أراه قد ابتعد كثيراً عن فهم النص ومقصده، إذ لو كان المقصد كذلك لانتهى النص عند جملة [فانكحوا ما طاب لكم من النساء ] ولا يوجد حاجة إلى ذكر [ مثنى وثلاث ورباع ] لأن الجملة الأولى أفادت الإطلاق ، والمطلق يبقى على إطلاقه ما لم تأت قرينة تخصصه وتحدده . فإذا قلنا بمفهوم الإطلاق صارت كلمة (مثنى وثلاث ورباع ) عبثاً وحشواً في النص ونستطيع أن نستغني عنها !! وهذا منزه عنه النص القرآني, فهو ليس نصاً أدبياً حتى يذكر الكلمات لضرورة اللحن أو لجمال النص، أو ما شابه ذلك من فن وضرورة الشعر !! فالقرآن كتاب هداية ورشاد ونظام تشريعي. لذا يجب دراسة النصوص القرآنية بصورة عقلية اجتماعية قانونية صارمة . والقاعدة الأصولية تقول : يجب فهم النص المطلق على ضوء تحديده المتعلق به . مثل النص المعني بالدراسة ، فما ينبغي أن نأخذ جملة من النص التي تفيد الإطلاق [ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ] منفصلة عن قيدها [مثنى وثلاث ورباع ] وبناء مفهوم إطلاق تعدد نكاح النساء عليها ,وصرف القيد إلى صورة أدبية لا علاقة له بالتشريع .
أما الرأي الثاني الذي يقول بوجود احتمال إمكانية جمع [ مثنى وثلاث ورباع ] مع بعضهم ليصير الحد الأعلى لنكاح النساء هو تسعة فقط . فهذا الرأي سطحي جداً إذ عدَّ كلمات [ مثنى وثلاث ورباع ] تدل على أعداد وأرقام, وأتت بينهما واو العطف التي تدل على الجمع ، فقال بإمكانية الجمع بين هذه الأعداد ووصل إلى الحد الأعلى المذكور . والصواب أن هذه الكلمات [ مثنى وثلاث ورباع ] ليست أعداداً أو أرقاماً وإنما هي حالات لصور في الواقع ولو كانت أعداداً لأتت بصيغة [ اثنتين وثلاثة وأربعة ] فلو قلنا : جاء ثلاثة رجال والرابع زيد . لا نفهم من كلمة ( الرابع ) أن زيداً هو أربعة أفراد ! وإنما نفهم أن زيداً مضاف للثلاثة فجعل عددهم أربعة, وسمي هو حسب الترتيب بالرابع . قال تعال : [ ويقولون ثلاثة ورابعهم كلبهم ] فالكلب ليس هو أربعة كلاب وإنما أضيف للثلاثة فجعلهم أربعة فسمي الرابع .مثل قولنا للفائزين : الأول والثاني والثالث والرابع . فالمجموع هو أربعة فقط لا غير . وهذه التسميات هي حال لمرتبة الفائز من كونه أضيف إلى من سبقه فسمي حسب المرتبة وكذلك قوله تعالى :[ جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء …] فاطر 1
بصرف النظر عن دلالة كلمة ( أجنحة ) في الواقع هل هي عضو للطيران أو عضو يضاف لآخر يكون على جانبه من باب التعزيز والدعم, فدلالة كلمة [ مثنى وثلاث ورباع ] هي حالات يتم إضافتها إلى ما سبقها فكلمة(مثنى ) أضيفت إلى الواحد فصار الأخير مثنى له ، وأضيف للاثنين واحد فصار ثالثهم ، وأضيف إلى الثلاثة واحد فصار رابعهم . وعندما أكمل الخالق النص بقوله [ ويزيد في الخلق ما يشاء ] فتح باب الزيادة في المستقبل ( يزيد ) باحتمالات غير محددة دلت عليها كلمة (يشاء ) وبعد ذلك النقاش للرأيين الثاني والثالث وتبيين خطأهما ، ومع إهمال الرأي الرابع لانه غير واقعي لإنكاره البعد التاريخي للنص القرءاني والبعد الثقافي له، نعود للنص المعني بالدراسة ونلخص فهمه [ فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثُلاث ورباع ] يجب فهم النص المطلق مع قيده بصورة لازمة ، والقيد للنكاح هو الحالات الثلاثة التي أتت في النص مضافة إلى بعضها بعضاً مع السكوت عن الصورة الأولى للنكاح بواحدة لأنها تحصيل حاصل ,والقرآن ليس من أسلوبه ذكر ما هو معلوم عند المخاطب بالضرورة, فبدأ النص بالمثنى التي هي النكاح من امرأة واحدة تكون بالنسبة للأولى مثنى لها ، وذكر الثُلاث لنكاح من امرأة واحدة تضاف إلى من سبقها من اثنتين لتصير بالنسبة إليهما ثالثة ، وذكر الرباع لتكون بالنسبة إلى من سبقها من النساء الثلاثة رابعهم . وعندما انتهى النص عند الرابعة دل على توقف حالات النكاح من النساء بهذه الصور, وصار الحد الأعلى لنكاح النساء مجتمعين هو أربعة نساء في وقت واحد ، ولا مانع من النكاح في حالة نقصان العدد عن أربعة وفق الشرطين السابقين .
وبناء على هذا المفهوم وصلنا إلى أن تحديد النكاح بأربعة نساء في المجتمع الأول الذي زامن نزول النص القرآني هو رأي صواب موافق للنص القرآني, وهذا يدفعنا إلى القول بأنه ما ينبغي أن نهمل دراسة أفهام وآراء السلف ابتداءً ، وإنما ينبغي أن ندرسها وفق رؤية قرآنية علمية, فإن انسجمت مع النصوص القرآنية والعلم قبلناها ، وإن لم تنسجم مع النص القرآني عذرنا أصحاب الرأي, وبحثنا عن رأي آخر أو قمنا نحن بإنشاء فهم جديد للنص القرآني منضبط بأسسه وقواعده ومقاصده .
اضف تعليقا