تحليل جملة
{يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ }
هذه الجملة كانت وراء الاختلاف في فهم المواريث عندما عدّوها تتعلق بالمواريث وليس بالوصية رغم أن الجملة تبدأ بكلمة (يوصيكم)، ومعروف أن الوصية خطاب للحي وليس للمتوفى، وفي حال توفي الشخص ولم يوص يكون قد انتهت صلاحيته في التدخل بقسمة الورثة، فالوصية للحي، والمواريث فريضة من الله، وهي قسمة ونصيب وليس حظًّا.
فما هو مفهوم جملة (للذكر مثل حظ الأنثيين)؟
إذا أردنا مضاعفة حصة شخص بشيء ما على شخص، هل نثني ذكر الشخص أم نثني كلمة النصيب أم نثني القيمة ؟ وبصرف النظر عن مفهوم كلمة الحظ.
مثلًا:
نريد إعطاء زيد ضعف حصة أخته، هل نقول:
-أعط زيدًا مثل حظ أختيه
– أعط زيدًا مثل حظَّي أخته
– أعط زيدًا مِثْلَي حظ أخته
وتصير جملة الوصية:
- للذكر مثل حظ الأنثيين
- للذكر مثل حظَّي الأنثى
- للذكر مِثْلَي حظ الأنثى
فهم جمهور المسلمين بكافة مللهم أن المقصد هو مضاعفة حصة زيد على أخته يعني عمليًّا تركوا النص وقاموا بتفصيل له وتعديل في الفهم وجعلوا الجملة ( للذكر مثلَي نصيب الأنثى)، واستمر هذا الفهم طوال هذه الفترة الزمنية كلها وتمت قسمة المواريث على هذا الفهم.
حتى جاء الدكتور “محمد شحرور” وعرض مفهوم آخر ليُفعِّل كلمة (الأنثيين) وانطلق من ذات نقطة الجمهور وهي أن الجملة تتعلق بالمواريث رغم وجود كلمة (يوصيكم) في بدء النص ظاهرة ولكن تم تجاوزها، ووجود كلمة(الحظ) التي هي لا علاقة لها بالتركة والنصيب، ورفض فهم الجمهور لأنه تحريف للجملة عندما أغفلوا وجود اثنتين من الإناث وتعاملوا مع الجملة وكأنها أتت بصيغة ( للذكر مثلَي حظ الأنثى) فقال: كلمة (الأنثيين) تعني ضرورة وجود اثنتين إناث في القسمة مقابل الذكر وهذه حالة خاصة بهذه الصورة فقط، بمعنى أن هذه الحالة تكون بوجود أنثيين مقابل كل ذكر، ولا تنطبق على الحالات الأخرى مثل وجود ذكر وأنثى فقط، أو وجود ذكر وثلاث إناث،أو ذكرين وثلاثة إناث…إلخ، وهكذا.
وبعد مُضي عقد ونصف على رأيه هذا تراجع عنه مع الاحتفاظ بفهم أن الجملة مازالت تتعلق بالمواريث وليس بالوصية، وكلمة الحظ بمعنى النصيب، وفهمه لكلمة (الأنثيين) أنها مثنى الأنثى صاحبة الجهاز التناسلي الأنثوي، وقال: إن حصة الذكر في هذه الجملة ليست ضعف الأنثى، وإنما تدل على المساواة في القسمة بهذه الحالة فقط التي هي عندما يكون وجود ذكر وأنثيين تكون القسمة متساوية لكل منهما الثلث، وضرب مثلًا على فهمه هذا فقال: لو سأل أحدهم ماذا أعطيت زيدًا ؟ فأجبته: مثل أختيه، لا يفهم أني أعطيته قيمة ما أعطيت أختيه مجتمعتين، وإنما يفهم أني أعطيته مثل ما أعطيت كل واحدة منهما، وقال:(1) عرضت هذا السؤال على كثير من الإخوة على مختلف أعمارهم فأقروا فهمي!.
وأستغرب كيف فهم الدكتور ” محمد” هكذا، وكيف جعل فهم من حوله من الناس دليلًا أو قرينة على صحة فهمه، وكيف اعتمد على مثل صاغه هو بنفسه على فهم الجملة القرءانية ومعروف أن الإنسان لا يستطيع أن يصيغ جملة بشكل عربي مبين ولا يستطيع أن ينتقي الكلمة المناسبة التي تعبر عن الموضوع تمامًا، فالمثل ينبغي أن يكون للشرح والتقريب للفكرة وليس دليلًا أو برهانًا على الفكرة!.
ولنحلل المثل الذي أتى به ونشاهد هل هو نص محكم بالفهم؟
أعطيت زيدًا مثل نصيب أختيه.
هذا النص غير محكم الدلالة ولا الصياغة فهو يحتمل منطقيًّا معنى أن زيدًا أخذ مثل نصيب أختيه مجتمعتين، ويحتمل أن زيدًا أخذ مثل نصيب أخته وعنده أختين فقط، فلا يصلح كمثل لفهم جملة ( للذكر مثل حظ الأنثيين) وخاصة مع وجود جملة أخرى في نص المواريث وهي: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }(النساء176)، نلاحظ في النص هذا أنه لا يوجد ذكر نوعي واحد بل ذكور متعددة، ولم يحدد النص حالة أن كل ذكر يقابله أنثيين، لأن هذه الحالة خاصة ولا تشمل الإخوة في حال كان العدد للإناث فردي ثلاثة أو خمسة فصاعدًا، وبالتالي يصير في النص نقص وإغفال قسمة نصيب حالة الإخوة عندما لا يكون الذكر يقابله أنثيين، غير خروج الأطفال بنوعيهم( الذكور والإناث) من القسمة لخروجهم من مفهوم دلالة كلمة الرجال والنساء!.
فالدكتور ” محمد شحرور” التقى مع الجمهور في النقاط التالية:
– فهم كلمة (يوصيكم) أنها تتعلق بالمواريث.
– دلالة كلمة الحظ تعني عمليًّا القسمة والنصيب والحصة رغم أنه يفرق بينهما في الدلالة.
– دلالة كلمة الأنثيين مثنى الأنثى صاحبة الجهاز التناسلي.
– وفهم أن كلمة الرجال والنساء بمعنى الذكور والإناث.
اختلف معهم بنقطة واحدة فقط، وهي:
– أن جملة ( للذكر مثل حظ الأنثيين) لا تعني المضاعفة في النصيب وإنما تعني المساواة في هذه الحالة عندما يكون ذكر واحد ومعه أنثيان.
(1) قال ذلك في برنامج رمضاني على قناة خليجية عندما وصل إلى موضوع المواريث.
اضف تعليقا