مفهوم الحظ والنصيب

لا يفرق معظم أهل اللغة وأصحاب المعاجم بين دلالة كلمة (حظ) ودلالة كلمة (نصيب)، فيضعون كل منهما دلالة للأخرى.

ونحن نعتمد على قاعدة: إذا اختلف المبنى اختلف المعنى، وهذا يعني أنه لا بُدَّ من وجود فرق بين دلالة الكلمتين.

لنقم بتحليل دلالة أصوات كلمة(حظ):

الحاء: صوت يدل على حركة مؤرجحة منضبطة.

الظاء: صوت يدل على دفع ملتصق

ومجموع الصوتين بترتيب كلمة(حظ) يصير مفهومها  حركة مؤرجحة منضبطة منتهية بدفع ملتصق بجهة منهما دون الأخرى.

لنقرأ كيف استخدم القرءان كل منهما.

{فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }(المائدة13)

نلاحظ أن توجه معنى دلالة كلمة (وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ) هو أن القوم نسوا التعامل مع شيء أو جزء منه تم دفعه لهم ليعملوا به ويتقيدوا بمضمونه، فكلمة (الحظ) صارت تدل على شيء تم صنعه أو صياغته بعد عملية مؤرجحة انتهت بدفع وعطاء  ملتصق للمعني بالحظ.

{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ }(القصص79)

{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } (فصلت35)

نلاحظ في النصين أن كلمة ( ذو حظ) أتت بتوجه فعل بعد أرجحة شديدة في الواقع ما بين أخذ ورد، وجذب وشد، تنتهي بدفع هذه الحركة وما نتج عنها لطرف دون آخر، فكان قارون ذو حظ عظيم في فعل جذب وشد الثروة باتجاهه وامتلاكها من خلال حرصه وعمله، وكذلك الدخول إلى الجنة والفوز بها، لا يُلقاها إلا ذو حظ عظيم بمعنى الإنسان المؤمن الصابر على طاعة الله وعن معصية الله، والذي يقوم بالعمل الصالح دعوة وحضًّا عليه وممارسة فيتجمع عنده من العمل الصالح الكثير وينتهي به لصالحه ويُحسب له ويضاف لرصيده.

نلاحظ أن دلالة كلمة (الحظ) تتعلق بالحرص والعمل على امتلاك الشيء والحصول عليه، وليس الحظ كما هو سائد بين عامة الناس أنه عطاء ارتجالي فوضوي دون تعب أو جهد أو أجر أو استحقاق له، فكما لاحظنا أن القرءان استخدم كلمة( الحظ) بمعنى الفعل المستحق أو المدفوع  لك نتيجة جهد وحرص منك على الحصول عليه، ولا قيمة لاستخدام كلمة الحظ من قبل الناس بمعنى العطاء غير المتوقع، وكلمة الحظ   مستخدمة أيضًا بين عامة الناس بالمعنى الصواب بجوار المعنى الخطأ، فيقولون: حَظِيَ فلان بفرصة جديدة،  والفرصة تُعطى لمن عمل وحرص على النجاح وأخذ بأسبابه ولكنه لظرف معين فشل، ويقولون: زيد له حظوة عند فلان، بمعنى قيمة ومكانة نتيجة عمله وجدّه.

وورد في القرءان ذلك المعنى {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } (آل عمران:176)، بمعنى لا يجعل لهم مكانة ولا قيمة ولا منفعة نتيجة تخاذلهم وكفرهم في الدنيا.

أما كلمة النصيب فهي من نَصَبَ وتعني خفاء حركة محددة تنتهي بتجمع واستقرار، وظهرت ثقافيًّا بعدة معاني منها التعب والإرهاق كونها حركة تتسلل بشكل محدد في قوة الإنسان وتنتهي للتلاشي والضعف، {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} (الحجر48)، ومنها الحركة المحددة التي تنبثق من خفاء وتظهر بشكل محدد وتستقر في هدفها، {وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } (يوسف56)، ومنها إقامة الشيء بارتفاع وهو ظهور حركة بشكل محدد واستقرارها {وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ } (الغاشية19)، وكل الاستخدامات محكومة بمفهوم كلمة نصب.

والنصيب هو حركة مخفية تتجه بشكل محدد وتنتهي بتجمع واستقرار.

ويظهر ذلك بمعنى العطاء والقسمة والحصة والجزء…إلخ.

{مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } (الشورى20)

{وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ }(غافر47)

{وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا } (النساء33)

{لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا } (النساء7)

النصيب: هو عطاء محدد لا يشترط أن يسبقه طلب أو جهد أو إرادة له.

الحظ: امتلاك أو حصول على الشيء بعد بذل الجهد والحرص عليه واستحقاقه.