الحديث النبوي ليس تشريعًا إلهيًّا ثابتًا

لو افترضنا على سبيل المثال أن الأحاديث النبوية قد وصلت إلينا كلها دون زيادة أو نقصان، أو تحريف، وتم التأكد من صواب نسبتها إلى النبي بصورة موثقة إلى درجة اليقين، هل تصير هذه المادة الحديثية وحي إلهي تشريعي ملزمين بها؟

والجواب: لا؛ ليس وحيًا، وغير ملزمين بها؛ لأن مادة الحديث النبوي هي من تأليف النبي وتفاعله مع الرسالة الإلهية. فحديث الله (القرءان)، غير حديث النبي، والعلماء فرقوا بينهما بالتعريف، فقالوا: الحديث النبوي هو المعنى من الله، واللفظ من النبي وتأليفه، وبصرف النظر عن صواب التفريق أو خطئه.

أما القرءان فصياغته اللسانية، كمبنى من الله عز وجل، وإذا تمعنا بتعريف العلماء للحديث النبوي نصل إلى أن الله عز وجل أنزل وحيًا بالمعنى دون المبنى على النبي. وهذا الكلام هراء لا قيمة له، وذلك لأن المعاني مرتبطة بالمباني، والمباني هي أوعية لحمل المعاني لا يفترقان أبدًا، وبالتالي، لا يمكن أن يتم نقل معنى لإنسان دون مبنى يحمل هذا المعنى.

والوجه الآخر لبطلان هذه المقولة، أن الإنسان لا يفكر إلا ضمن لسان يكون حاملًا ووسيطًا لفكره، فإذا انتفى اللسان انتفى التفكير، وبالتالي، لا يمكن أن تجعل إنسانًا لا يملك لسانًا (لغة) أن يقوم بعملية التفكير، أو أن تتواصل معه فكريًّا، هكذا خلق الله الإنسان، لا يفكر إلا ضمن لسان، والتفكير غير التعقل الذي لا يتجاوز عملية الفهم، والتفاعل مع الواقع بصورة مباشرة، وهذا لا يحتاج إلى لسان (لغة) ليحصل، مثل الشعور بالحب أو الحزن، أو الخوف، فإذا أراد الخالق من الإنسان شيئًا تكلم معه بلسانه، والعجز والمحدودية في الإنسان، وليس في الخالق.

وإذا ثبت أن مبنى الحديث من النبي كإنسان، وهذا ثابت في واقع الحال باعترافهم، ثبت ضرورة أن المعنى من النبي متلازم مع المبنى لا يفترقان. فمادة الحديث النبوي هي أمر مرتبط بشخص النبي وتفاعله الزمكاني مع الرسالة الإلهية، وليست هي وحيًا، وليست هي مصدرًا تشريعيًّا، وإنما هي مادة تاريخية عظيمة، إنها التفاعل الأول مع الرسالة الإلهية الكاملة.

وخطاب الله عز وجل موجه إلى الناس جميعًا، ونحن من الناس المعنيون بهذا الخطاب، فلماذا نهمش أنفسنا ونخرجها من الخطاب الإلهي:

{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158].

والأمر بإقامة الصلاة كتشريع وجوب، ومقومات الركعة الواحدة (قيام وركوع وسجود)، والحد الأدنى للصلاة كركعتين، وتحديد الأوقات الخمسة، كل ذلك نزل في النص القرءاني، أما عدد الركعات للصلاة التي أكثر من ركعتين فقد أتت من الوحي العملي مباشرة، ووصلت إلينا عن طريق السنة، أي توزيع عدد ركعات الصلاة في اليوم والليلة.

فتلازم أمر الله بإقامة الصلاة{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 6] مع سنة الرسول (صلوا كما رأيتموني أصلي) فالصلاة مبنية على عملية الرؤية، وليس على الأحاديث.

لذا؛ كانت الصلاة بصورتها العملية متتابعة في المجتمعات الإسلامية كطريقة عملية وليس روايات، ولا منيّة لأحد في وصولها إلينا!، وكل المسلمين تعلموا  كيفية الصلاة من آبائهم وأهل المسجد والناس عمومًا، ولا يوجد اختلاف بين المسلمين في صورتها من قيام وركوع وسجود، والاختلاف بين المسلمين إنما هو في الجزئيات المتعلقة بالصلاة، وهذه الأمور هي من مادة الحديث النبوي، وليست وحيًا، مثلًا، عندما نزلت آية {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ} [الواقعة: 74]. قال النبي: اجعلوها في ركوعكم، وعندما نزلت آية {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1]، قال: اجعلوها في سجودكم.

فهذه الأدعية والأذكار هي اختيار نبوي لأمته، الأَوْلى الالتزام بها مع صواب الصلاة بغيرها من الأدعية والأذكار القرءانية التي يتأولها الإنسان كمضمون.

وكذلك طقوس ومناسك الحج، اقرأ

قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128]، وقول النبي: (خذوا عني مناسككم).

ووجود الطريقة العملية لأداء الصلاة والحج في السنة لا يجعلها مصدر تشريعي وإنما هي مصدر عملي تابع لمصدر تشريعي، لأن مصدر التشريع هو الذي يؤسس حكماً أو يبتدئ حكمًا.