مفهوم الوعي

اضطرب معظم الفلاسفة والباحثين في تعريف الوعي عند الإنسان وضبطه لاشتراك الحيوانات بالوعي أيضاً، ولو بنسبة معينة تتفاوت بينهم حسب قدراتهم و وظائفهم وطبيعتهم ونمط معيشتهم، فالسباع يملكون وعياً أكثر من الحيوانات النباتية نتيجة طبيعة حصولهم على الغذاء من خلال الصيد الذي يحتاج مناورة وخطة من قبلهم وأحياناً تعاون جماعي مثل الذئاب، وهذا الوعي عند الحيوانات يمكن أن يرتفع نسبته نتيجة الخبرة والتراكمات التي يمرون بها في معيشتهم وما يتعرضون له من مصاعب وأحداث، والملاحظ أن الحيوانات كلها اللاحمة والنباتية يوجد عندها وعي للتعامل الحسن معها من قبل الآخرين، ويحفظون ذلك ويألفون له ويبادلون صاحبه بالتودد واللطف، حتى أن مروضي الفيلة يستخدمون تلك الحالة من خلال حفر حفرة كبيرة في طريق الفيلة، وعندما يقع فيل في الحفرة يأتي بعض الأشخاص ويضربونه ويمارسون عليه العنف لفترة معينة حتى يأتي شخص آخر مميز عنهم ويقوم بمنعهم ونهرهم ورعاية الفيل وإعطائه طعاماً وشراباً ويتكرر هذا الفعل على مدار أيام حتى يترسخ ذلك الحدث في دماغ الفيل و تتعزز علاقته مع الشخص الذي يحسن إليه فيألفه ويتودد إليه ويطيعه، فيخرجه من الحفرة ويصير هذا الشخص سائساً للفيل.

ومعروف وفاء الكلب وما يقوم به من أعمال تدل على وعي متقدم وإحساس بالآخرين وامتلاك مهارات دقيقة مثل قدرته على التعامل مع المرأة الحامل أو المريض  وكبير السن وإحساسه بأي تقلبات تصيب الشخص مثل ارتفاع ضغط الدم أو هبوطه أو الحزن والاكتئاب أو اكتشاف بعض السرطانات في الجسم، وغير اكتشاف المخدرات وكشف عن الناس تحت  ردم البناء أو الانهيار الثلجي…الخ، بل؛ وصل الوعي ببعض الحيوانات إلى الإحساس بالظلم والتفريق بنوع التعامل معهم دل على ذلك تجربة قام بها بعض حراس  حديقة الحيوان مع القرود، وأعطى القرد الأول خياراً، وأعطى الثاني موزاً على مرأى من القرد الأول، فسارع القرد الأول برمي الخيارة في وجه الحارس وغضب من هذا السلوك في التفريق بينه وبين القرد الثاني في توزيع الطعام، وكثير من القصص والتجارب التي تؤكد أن الحيوانات تملك وعياً وإحساساً بالظلم والصداقات والتعاون والتآزر…الخ، مما دفع العلماء إلى القول إن الوعي نتج عن طريق التطور من المادة بشكل تراكمي وبطيء زمنياً، وارتقى إلى أن وصل إلى مستوى الوعي الإنساني.

ما هو الوعي؟

الوعي من وَعَيَ، تدل على ضم وعمق للشيء بامتداد زماني.

وظهرت بدلالة مادية بضم وجمع الشيء في وعاء ملازم له، مثل الأوعية التي يضعون فيها السوائل.

وظهرت بدلالة معنوية بضم المعلومات أو الأوامر وجمعها في داخل الكائن وحفظها مع امتدادها زمنياً مصاحبة ولازمة له.

بناء على التعريف لكلمة (الوعي) نصل إلى أن الوعي لا يشترط له بالضرورة  الإدراك و التعقل والفهم، فليس كل حالة وعي يُلازمها حالة  الإدراك والتعقل والفهم، كما أن وجود الشيء يتمثل بِبُعدين مُتلازمين،  أحدها الوجود المادي (الجوهر)، والآخر الوجود السنني (القوانين) التي تحكم حركة المادة ووجودها،

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }الأعراف54

وهذا يوصلنا إلى أن الوعي نوعان:

 الوعي الطبيعي، و الوعي المنطقي (الإنساني).

1- الوعي الطبيعي: هو خاصية ضم وجمع أوامر ومعلومات برمجية في الشيء يتحرك على موجبها، وهذا ظاهر في الذرة   والفيروس والخلية والبكتريا والنبات والحيوانات والبشر ووصولاً إلى المجرة.

انظر مثلاً لحركة الخلية وقيامها بالترميم والبناء  والتكاثر في حال وجود جرح في الكائن الحي وعندما يتم الانتهاء من البناء تقف الخلية عن عملها تلقائياً، فالسؤال كيف علمت الخلية بأنها ينبغي أن تتكاثر وكيف علمت بأنها ينبغي أن تقف عن التكاثر في حال انتهاء عملها وترميم الجرح؟

وانظر أيضاً للخلايا في تكوين الجنين في بطن أمه، كيف علمت الخلايا أن تتكاثر وتشكل عضوًا معين حسب المكان التي هي فيه، بينما الخلايا الأخرى تشكل عضوًا آخر مختلف في مكان آخر، رغم أن الخلايا هي ذاتها ولا يوجد فرق بينها، ولكن اختلف موضعها فاختلفت وظيفتها وعملها، كيف علمت الخلايا بوظيفتها وتنوعها واختلاف موضعها؟

وما يحصل مع الخلية يحصل مع كل الأشياء من الذرة إلى المجرة، وهذا الذي يحصل هو ما نسميه الوعي الطبيعي وهو مجرد مجموعة من القوانين تحكم برمجية الشيء الملازمة للوجود المادي، وهذه العملية من الوعي تحصل في الأشياء دون إدراك وتعقل وفهم للعملية أو ربط منطقي بين علاقة الأشياء.

مثلاً، شاهد بعض الباحثين القائمين على حديقة الحيوانات أن القرود عندما ينزل المطر يصرخ أحدهم صرخة معينة فيسارع القرود للاختباء أو الحماية من المطر تحت الأسقف، فقام الباحثون بتسجيل هذا الصوت،  وفي أحد الأيام كان الطقس صحوًا والشمس مشرقة  والقرود خارج أقفاصها تستمتع بأشعة الشمس، فقام الباحثون بإصدار صوت القرد الذي سجلوه مسبقًا، فلاحظوا أن القرود سارعت للاختباء والحماية من نزول المطر كما  تفعل عادة دون ملاحظة أن الطقس كان صحواً ولم يحصل عندهم ربط بين المعلومة السابقة الكامنة في أدمغتهم ومحل تعلق المعلومة من الواقع وبالتالي صدر منها سلوك غير منطقي مخالف لما عليه الواقع.

مثل آخر : كانت قرية تعاني من هجوم الفيلة عليها وتدمير ممتلكاتها وتناول الحبوب والزرع، فاشتكوا ذلك لباحث ليحل مشكلة غزو الفيلة لقريتهم، فقام الباحث بتسجيل صوت زئير  لمجموعة من الأسود، وعندما أتى الفيلة إلى مشارف القرية  أطلق صوت زئير الأسود، فسرعان ما وقفت الفيلة ورجعت من حيث أتت!.

يوجد كثير من أمثال تلك التجارب التي تُثبت أن الوعي الطبيعي عند هذه الحيوانات يحصل دون تعقل وفهم  وربط منطقي بين الشيء والحدث، ومهما ارتقى هذا الوعي الطبيعي في الكائنات الحية يبقى دون تعقل وفهم وربط منطقي بين الأشياء وعللها ومسبباتها، ولا يمكن أن يتم استخدامه في عملية النمو للوعي إلى حالة التعقل والفهم والمنطق وإنشاء حضارة وتاريخ، ولذلك لايوجد تاريخ لهذه الكائنات الحية  من صنعها، وما يظهر من سلوكيات راقية تقترب من السلوك الإنساني مثل إنشاء الصداقات في النوع الواحد أو بين أنواع مختلفة، أو اللعب فيما بينها أو مع الإنسان، أو إحساس بالظلم، وما شابه تلك السلوكيات الشبيهة بالسلوك الإنساني هي في الحقيقة سلوك  يصدر من الوعي الطبيعي دون فهم أو تعقل أو منطق، والوعي الطبيعي يختلف من كائن إلى آخر حسب ظروف وطبيعة الكائن ووظيفته، وينبغي الانتباه إلى أننا نستخدم  مفردات لسانية خاصة لنا ولسلوكنا نسقطها على سلوك الحيوانات، ويحصل اضطراب في فهم سلوك الحيوان ونظن أنه يعقل ويفهم تصرفاته بشكل منطقي علمي، والحقيقة أن سلوكيات الحيوانات كلها تصدر من الوعي الطبيعي ولا تملك شعوراً ولا فهماً ولا تعقلاً ولا منطقاً، وإنما تملك إحساساً بالشيء، فمثلاً لو ضربت كلباً بعصا لأحس بالألم، ولكن لا يشعر به لانتفاء وجود نفس له في داخل دماغه( وما يقال عن أن الحيوان يملك شعوراً ويندم ويحزن هو إحساس راقي في استخدام وعيه الطبيعي الغريزي)، بينما الإنسان لو صفعته على وجهه يحس بالألم  ويشعر بالإهانة لأنه يملك نفساً  نازلة في دماغه تتصف بالفهم والتعقل  وتمارس المنطق وتدركه ولها شعور بالحزن والسرور، ولها شهوات وهي ميل نحو شيء أو تعلق واعي.

وهذا يعني أن الإحساس يحصل بالجسم ويصل إلى الدماغ فينفعل معه عضوياً، بينما الإهانة تصل إلى الدماغ كحدث ومن الدماغ تصل إلى جهاز الإدراك النفسي (القوة الإدراكية والتمييزية) والفهم والتعقل  فيشعر بالإهانة.

فالحيوانات لها غرائز تمثلت بنوعين : غريزة النوع، وغريزة البقاء،  ولها حاجيات عضوية و عندها إحساس ولا تملك شعوراً، وتنفعل مع الأحداث بشكل وعي طبيعي وليس بشكل فهم ومنطق وتعقل، وتعتمد على الربط الغريزي والاسترجاع للأحداث وخاصة التي تم ترسيخها في دماغها من خلال تعزيز السلوك بتكراره،  وهذا الوعي الطبيعي وما يترتب عليه موجود في الكائن البشري أيضاً بصفته نوع من جنس الثدييات وجزء لا يتجزأ من الكون، وعدم إشباع هذه الغرائز أو الحاجيات العضوية يؤدي إلى الهلاك.

2- الوعي المنطقي (الإنساني):

علمنا أن دلالة كلمة الوعي هي مجرد الضم والجمع للشيء وملازمته له، وعلمنا أن الوعي نوعان الأول الوعي الطبيعي وهو البرمجة الطبيعية لحركة الشيء ووظيفته، وهذا أمر مشترك في كل شيء من الذرة إلى المجرة

وصلنا الآن إلى الوعي المنطقي الإنساني، وهو درجة عُليا للإنسان وارتقاء وميزة وخاصية له فقط من بين كل الكائنات المدرك وجودها، وهذا الوعي المنطقي هو ضم وجمع قوة إدراكية تمييزية لازمة للكائن الإنساني يستخدمها في التفاعل والفاعلية في الحياة الاجتماعية ليصنع لنفسه حضارة وتاريخ.

لنقرأ كيف استخدم القرءان كلمة الوعي

{لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ }الحاقة12

كلمة تعيها تعني جمع المعلومة وضمها لمثيلاتها ليتم الفهم والتعقل، والأذن الواعية هي العضو الذي يتم به السمع وليس فيه، وهو يجمع الأصوات ويضمها وينقلها إلى مركز  السمع لتتم القراءة لهذه المعلومات في مركز السمع في الدماغ بواسطة جهاز الإدراك والفهم والتعقل.

{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ }الانشقاق23

كلمة يوعون بمعنى ما يجمعون من معلومات يعرفونها وما يبيتون من نوايا في أنفسهم.

{تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى }17 {وَجَمَعَ فَأَوْعَى }المعارج18

لاحظ كلمة أوعى أتت بمعنى الضم والإدراك للمعلومات التي جمعها، ولذلك أدبر عن وعي وعلم.

إذا القرءان استخدم الوعي بدلالة منطقية تتعلق بالفهم والتعقل وليس بدلالة الوعي الغريزي الطبيعي عند الكائنات الحية.

بعد أن وصل الكائن البشري على سلم التطور  لصورة فيزيولوجية راقية و استوى ظهره وانتصب في مشيته، وتمكن من استخدام يديه بمهارة، وهو يملك الوعي الطبيعي مثله مثل الكائنات الأخرى – ولو أن وعيه الطبيعي أرقى من معظم الكائنات- ولكن يبقى وعياً طبيعياً لم يتجاوزه، حصل في نوع الإنسان ارتقاء  بسبب إرادة وقوة خارجية نفخت النفس في دماغ هذا الكائن البشري فتفعل عنده السمع والبصر والفؤاد وصار يمتلك جهازاً ثلاثياً اسمه جهاز الإدراك والوعي المنطقي، وقد يتساءل بعضهم وما البرهان على صحة ما تقول وتفترض؟

نقول: إن الشيء الموجود المدرك في عالم الشهادة له بُعدين كما ذكرت آنفاً، بُعد مادي (الجوهر) وبُعد سنني ( القوانين)، وهذه القوانين هي شيء معنوي لازم للمادة يحكمها وليس هو جزءًا مادياً من طبيعتها، فالقانون شيء آخر غير المادة ذاتها، وضرورة أن يكون هذا الجانب السنني قد أتى من جهة أخرى غير المادة ومغاير في وجوده لوجودها، وكون هذه السنن (القوانين) هي أوامر مُنَظِّمة ومحُكَمة فقطعاً يكون الجهة التي صدر منها ذلك الأمر تتصف لزوماً بالعلم والحكمة والإرادة والقدرة، وهذه القوة العليمة والحكيمة والقديرة هي التي منحت هذا الكائن البشري نفساً نزلت في دماغه كما ينزل برنامج ويندوز في جهاز الكمبيوتر، فصار بها إنساناً وتفعل عنده جهاز الإدراك والتعقل والفهم فظهر الوعي المنطقي التجريدي عند هذا الكائن الإنساني دون غيره، وظهر له غرائز نفسية تمثلت: بغريزة التعلم، غريزة العقل، غريزة التدين، غريزة التغير والتنوع في حياته، غريزة الاجتماع، وحاجيات نفسية تمثلت: بالحرية و الكرامة، وعدم إشباع هذه الغرائز والحاجيات يؤدي إلى الموت النفسي والاضطراب والقلق في الحياة.

وعندما تأنسن هذا الكائن البشري نتيجة دفعة وارتقاء في وعيه الطبيعي وإضافة له وعي منطقي صار يشعر ويعقل ويفهم ويتفاعل مع الواقع، واكتشف نواة الأصوات اللسانية من الظواهر الطبيعية ذات الجذر الثنائي كحد أدنى.

وفي هذه الفترة الزمنية المبكرة  وُلد أصل اللسان كأصوات ثنائية المقاطع نتيجة التعقل والتفاعل للإنسان مع الطبيعة، وصار يتواصل من خلالها ويعبر عن شعوره واحتياجاته البدائية، فالشعور بالحب والحزن والخوف والسرور لا يحتاج إلى لسان متطور ثلاثي المقاطع، كما أنه لا يحتاج إلى تفكير، فهو يحتاج إلى التعقل والتفاعل، الذي هو التعامل مع الظواهر من خلال الحس ومدى فائدتها له أو ضررها والحكم عليها بناء على ذلك التعقل لاتحتاج إلى دراسة وتحليل وربط واستنتاج واستنباط واستقراء وتفكير، ولذلك كان فعل التعقل سابق عن ولادة اللسان والمجتمع في التجمع الإنساني، وكان التعقل هو أساس لولادة اللسان في مرحلته البدائية.

لاحظ كيف يأتي بالقرءان فعل التعقل مع أحداث ظاهرة مدركة بالحس

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }البقرة164

واستمر الإنسان كجماعة بالتفاعل والتكاثر إلى أن تعقدت أمور حياته ومعيشته لظروف كثيرة، منها كثرة العدد وتشابك العلاقات وتعارض المصالح  والنزاع على المكاسب والموارد…الخ فولد المجتمع ولادة الضرورة الملحة، وبولادته ظهر التفكير، وبظهور المجتمع والتفكير  ارتقى اللسان إلى درجة أعلى ليحمل معلومات التفاعل الاجتماعي و فاعلية التفكير، فظهرت الكلمات ذات الجذر الثلاثي تباعاً  المبنية على الكلمات الثنائية، لتكون حقلاً ووعاءً يسع المعلومات ويحفظها ويقلمها ويهذبها لتكون أساسًا للتفكير والدراسة،لأنه لا تفكير دون لسان يقوم على كلمات ثلاثية المقاطع ليحمل المعلومات ويتم استخدامها في عملية التحليل والربط والقراءة والحفظ، فصار التفكير ظاهرة اجتماعية، واللسان ظاهرة اجتماعية، ولايوجد إنسان يمكن أن يفكر أو يمتلك لساناً ثلاثي الأصوات في حال تُرك يعيش وحده منعزلاً عن المجتمع، فالإنسان كائن اجتماعي، ومن يعتزل المجتمع  سواء من بداية ولادته أو لاحقاً لظروف معينة يفقد الصفة الإنسانية الاجتماعية وتتقلص عنده الأنسنة حتى يصل إلى التوحش.

لاحظ كيف يأتي في القرءان فعل التفكير مع أحداث تحتاج على دراسة وتحليل واستقراء وقراءة

{اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ }2 {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }الرعد3

{ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }النحل69

ولذلك نقول: الإنسان كائن تاريخي، لأنه الكائن الوحيد الذي يملك وعياً منطقياً ويصنع تاريخاً له

وعندما نقول: إن الإنسان كائن واعي. كميزة له عن الحيوانات، نقصد الوعي المنطقي وليس الوعي الطبيعي الغريزي، و الإنسان كائن يدرك وجوده الواعي و يعي أنه يعي، بينما الحيوان لايدرك وجوده ولا يعي أنه يعي.