عندما نضع قاعدة في التشريع ينبغي أن تكون مطردة لايُستثنى منها شيء إلا الذي واقعه يفرض ذلك الاستثناء لتعذر التطبيق، والحد حتى يُسمى حداً ينبغي أن يكون فيه إمكانية التجاوز.

و النكاح الشرعي واقعه أنه ليس له حداً أدنى حتى يأتي التشريع به لأن النكاح من امرأة لا يمكن أن يتجاوزه الإنسان إلى نصف امرأة مثلاً، لذا؛ أتى الحد في ذلك الحكم  على الأعلى( أربع نساء ) ولأن التعدد في النكاح ليس مطلباً نهضوياً، وهذا خلاف الأحكام الأخرى الاجتماعية التي تأتي على الحد الأدنى وتترك للمجتمع الحركة والتطور نحو الأعلى.

والتشريع للعقوبات لم يخرج عن هذا المفهوم الحدودي، فالأصل أن تأتي العقوبات حدودية وليست عينية، وعلى الحد الأعلى وفيها إمكانية النزول تخفيفاً بما يراه المجتمع رادعاً وزاجراً ومعالجاً للإنسان مع المحافظة على فاعلية الإنسان وعدم جعله عالة على المجتمع أو حرمان أسرته منه ، وهذا على الغالب.

ولا يوجد في العقوبات التشريعية حالة لم يطبق عليها هذا المفهوم ، بل ما ينبغي أن يُخرج الشارع من النظرية الحدودية أي حالة سوى التي تفرض ذاتها في الواقع من حيث انتفاء عنها إمكانية التجاوز مثل حالة النكاح من امرأة واحدة، لأن نفي العملية الحدودية عن العقوبة أو الحكم مع وجود إمكانية لتجاوزها هو نقض لإحكام النظرية وطعن في علم الشارع وحكمته.

والذي يهمنا في بحثنا هذا هو عقوبة الزنا.

النص التشريعي أتى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ }النور2

لا يوجد مانع واقعي ينفي تجاوز حد العقوبة تخفيفاً مثل العقوبات الأخرى، وهذا يدل ابتداء على إمكانية تجاوزها نزولاً نحو التخفيف كماً أو كيفاً لأن العقوبة ليست مطلوبة لعينها، هذه نقطة ينبغي تثبيتها.

لندرس النص ونرى كيف أنه فيه إمكانية النزول والتخفيف عن الحد الأعلى لعقوبة الزنا.

النص أتى بصيغة النهي عن الاتخاذ بالزاني  رأفة، والرأفة غير الرحمة ضرورة، انظر قوله تعالى: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }النحل7 ، مما يدل على أن النص لم ينه عن وجود الرحمة للزاني أو الزانية، والرحمة هي التخفيف والمساعدة والتجاوز عن العقوبة و الآصار، لذا؛ كانت الرسالة الإلهية رحمة للعالمين وليست رأفة.

فماهي الرأفة؟

الرأفة: كلمة تدل على الاهتمام والاحترام وما شابه ذلك .

وما ينبغي نفي الرحمة عن أي تشريع سواء أكان تشريع عقوبة أم تشريع أحكام اجتماعية.

والنص أتى ( ولا تأخذكم بهما رأفة) ولو كان المقصد من دلالة كلمة (الرأفة) هو التخفيف والمساعدة… لاستخدم الشارع كلمة (الرحمة ) وصارت ( ولا ترحموهما أبداً) وبالتالي انتفى إمكانية النزول عن الحد الأعلى.

والخطاب متعلق بالمجتمع الذي ينفذ العقوبة (ولا تأخذكم بهما رأفة) ، فالرأفة محلها المجتمع وليس الزانية أو الزاني بدليل استخدام حرف الباء في كلمة ( بهما رأفة)، بخلاف الرحمة فهي محلها الزاني ولم ينفها الشارع عنه.

فالمجتمع لا يرأف بالزاني( لا يحترمه ولا يهتم لشأنه)، ولكن يمكن أن يرحمه.

ولايشترط وجود أربعة شهداء لإثبات الزنى وإيقاع العقوبة على الزانية أو الزاني، لأن مفهوم الزنى بحد ذاته يثبت اشتهاره في البيئة التي يمارس الزاني فيها عمله، أليس الزنى فاحشة علنية ؟ أليست هي دعارة ؟ فهذا العمل يكون عادة مشهوراً في الحي أو المنطقة أو المكان الذي يقطنه الزاني أو الزانية ويمارس الدعارة!!

والنص القرءاني المتعلق بعقوبة الزنى لايوجد فيه اشتراط أربعة شهود ، والذي أتى فيه أربعة شهود هو نص

رمي المحصنات بالفاحشة {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }النور4.، والإحصان هو إحصان العفة والأخلاق والحصانة الاجتماعية ، وإحصان بالزواج.

واتهام الزوجة بالخيانة الزوجية {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ }النور6.

وكذلك أتى الشهود الأربعة في نص عقوبة الفاحشة للنساء دون الزنى سواء أكانت سحاقاً أم ممارسة جنسية دون عقد شرعي مصدق من المجتمع {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً }النساء15، وهذه الفاحشة ليست زنى، لأن هؤلاء النساء غالباً يتوخين الستر، ولايقصدن الزنى ولاينشرن الفاحشة في المجتمع، لذا؛ أتت عقوبتهن بالنص الإمساك بالبيوت وليس بالسجن، وذلك لتطهيرهن من الفاحشة والاعتناء بهن ومراقبتهن من قبل الأهل .

فأين الشهود الأربعة لممارسة الزنا؟

الزنا دعارة لاتحتاج إلى شهود لأنها ظاهرة ومعروفة ، والزاني أو الزانية هما أشهر من عَلَم في حيّهما أو المكان الذي يمارسان فيه الزنى، فهذان الزانيان هما محل عقوبة الجلد ونهى الشارع عن الرأفة بهما ، ولم ينه عن الرحمة لهما كماً أو كيفاً في العقوبة ولكن بشرط شهود طائفة من المؤمنين ( طائفة ذوي السيرة الحسنة وخاصة الذي يقطنون معهم في الحي ذاته ) عذابهما ، وفي واقعنا يحل محل  المؤمنين الإعلام على مختلف أنواعه.

سامر إسلامبولي

15/5/2011