إرادة الله والخلق وفيزياء الكوانتوم

نقل لنا التراث الإسلامي نقاش وجدال بين تيارين:

   يقول أحدهما: بأن إرادة الخالق تتعلق بكل حدث بعينه بشكل آني ولحظي ليظهره للوجود، بمعنى أن  النار لا يصدر منها خاصية الإحراق بذاتها بشكل لازم لها وإنما مجرد أن يوضع فيها شيء قابل للاحتراق مع انتفاء الموانع يتم  تفعيل خاصية الإحراق للنار فوراً بإرادة من الخالق تتعلق بذلك، ويمكن أن تتعلق إرادة الخالق بغير ذلك فتتوقف خاصية الأشياء ليظهر غيرها ، وبناء على هذا قالوا : إن خواص الأشياء ولزومها ظاهراً هي بحكم العادة والألفة من قبل ملاحظة الإنسان لها وتعامله معها، بينما هي في الحقيقة ليست لازمة ولا يقينية كخاصية للشيء، وبالتالي وصفوا تلك الخصائص: بأنها جوازية ممكنة وليست لازمة ولا يقينية،  وهذا يشمل كل الأحداث حتى الفعل الإنساني، فالإنسان كونه يملك إرادة حرة ووعي منطقي فمجرد أن تتوجه إرادته نحو فعل معين يتدخل الخالق ويخلق هذا الشيء فوراً حسب إرادة الإنسان، وهذا يسمى القيومية و الإرادة المتجددة للخالق عند حدوث كل فعل، وأشهر من قال بذلك الرأي هو أبو الحسن الأشعري وعرضه تحت نظرية الكسب، رغم أنه صرح بأن الإنسان حر في إرادته ومسؤول عن اختياره، ولكن اختياره لا يؤثر بإيجاد الشيء في الواقع وحصوله، وهو محاسب على توجه إرادته فقط نحو فعل الشيء.

   التيار الثاني قال: إن خصائص الأشياء هي لازمة لها وثابتة بإرادة مسبقة من الخالق أودعها في حركة هذه الأشياء، فمجرد أن تعرض شيئاً قابل للاحتراق مع انتفاء الموانع تتفعل خاصية الإحراق ويتم حرق الشيء لزوماً، وهكذا تحصل كل الأحداث ولا يحتاج كل فعل إرادة خاصة به من قبل الخالق ليوجد في الواقع، وهذا لا ينفي قيوميته على الخلق وعلمه وهيمنته، والإنسان يملك الحرية في استخدام تلك الخصائص وتفعيلها ويؤثر في وجود الأحداث، ولذلك هو كائن حر ومسؤول عن اختياره وفعله، وهذا الرأي قال به: المعتزلة و مجموعة من الفلاسفة.

وكلا التيارين لم ينفيا أن الله خالق كل شيء، وأثبتا قيومية الخالق على الخلق ، ولكن إثبات هذا المفهوم عند المعتزلة لم ينف أن الإنسان هو الذي يخلق أفعاله بمعنى يوجدها في الواقع وفق سنن الخالق واستخدامها بحرية و وعي. 

   ويوجد من المعاصرين من رجح فهم الأشعرية بناء على مفهومه لنظرية الكوانتوم كونها تقوم على الاحتمالية في حركتها والتجدد الدائم، وهي التي تحكم حركة الأشياء المتشكلة منها، وبالتالي فظهور الحدث وتشكله على وجه معين هو أحد الاحتمالات الكامنة في الكوانتوم ويحتاج مرجح واعي ليرجحه في الظهور على غيره من الاحتمالات، وهذا يقتضي عندهم وجود إرادة من قبل الخالق تتعلق بهذا الاحتمال آنياً ولحظياً ليظهر دون غيره من الاحتمالات الممكنة، وضربوا على ذلك مثلا ً فقالوا: اللون الأسود الذي نراه لشيء معين هو في حالة تجدد مستمر وترجيح لظهوره عن بقية الألوان التي يمكن ظهورها بدل منه في أي لحظة، ولذلك لابد من إرادة واعية تتعلق بترجيح ظهور اللون الأسود كل لحظة بشكل دائم ومستمر، وهذا الفهم يشمل كل التشكلات والأفعال  التي تحصل في الواقع من الذرة إلى المجرة سوى الكائنات الحية التي تملك وعياً ولو جزئياً فهي تتدخل بحصول الأفعال المتعلقة بها والتي يمكن أن تتناولها وتؤثر بها وهذه الأفعال لا تحتاج إرادة من الخالق لوجودها وإنما تحتاج لإرادة من الكائن الحي الواعي لإيجادها ولذلك كان الإنسان حراً ومسؤولاً عن اختياره، و صار لكل فعل  متجدد يحصل في الواقع إرادة خاصة به من قبل الخالق ومتجددة دائمًا في كل لحظة لاحتياج ظهوره إلى كائن واعي ، وكرروا مقولة ( خصائص الأشياء أو قوانينها هي جوازية ممكنة وليست يقينية).

وهذا الفهم تناول نقطتين:

   الأولى: إن قوانين الطبيعة هي جوازية احتمالية غير يقينية كونها تقوم في أصلها على الكوانتوم ومحكومة بها من حيث الحركة والتجدد المستمر للشيء.

   الثانية: ترجيح أحد التشكلات والصور أو الأفعال للأشياء يحتاج لمرجح، وهذا غير متحقق بالعناصر الكوانتومية ذاتها وغير متحقق بالقانون الذي شكل الشيء، وبالتالي لابد من إرادة واعية آنية لحظية لكل تشكل أو فعل يحصل في الواقع سواء أكان من الخالق ذاته أو الكائن المُحْدَث الواعي  الذي يملك إرادة ( الإنسان والكائنات الحية).

   لنناقش النقطة الأولى

   ثبت في الفيزياء من خلال الدراسة الرياضية إن القوانين الطبيعية ليست مطلقة وليست يقينية في عملها بمعنى أنها تعمل وتحصل بنسبة 99،999999999 % ضمن ظروفها وانتفاء الموانع، مع وجود احتمال متناهي في الدقة والصغر بنسبة  0،000000000000001 % أن لا يحصل الفعل ذاته رغم تحقق الظروف و انتفاء الموانع، مثل عرض قطعة قطن على النار وعدم احتراقها رغم وصولها لدرجة الاتقاد والاشتعال وانتفاء الموانع.

ولكن ينبغي أن نعلم أن انتفاء صفة اليقينية عن  عمل القوانين الطبيعية لاينفي ثبوتها في الواقع ولزوم خصائص المادة، لأن النسبة الكبيرة هي التي تعمل في الواقع ، والأصل بقاء ما كان على ما كان عليه حتى يثبت العكس ، ونفي صفة اليقين عن القوانين الطبيعية إنما هو نفي رياضي ذهني وليس نفي ثبوت عملها في الواقع ولزومها للمادة، لأن عناصر الكوانتوم عندما تتشكل بصورة ومبنى يصير لها علاقة معينة فيما بينها لازمة لها و تأخذ حكمها وقوانينها مثل تشكل الجسم البشري والكائنات الحية والنبات… الخ، ونحن نتعامل مع هذا الشكل والمبنى على ما هو عليه و لانتعامل معه على أساس أصله الكوانتومي، لأن نسبة توقف القانون عن فعله في الواقع هي بحكم اللاشيء رغم أنها حقيقة رياضية لا يمكن نفيها علمياً، ومن هذا الوجه نفى الفيزيائيون صفة اليقين عن القوانين الطبيعية ولكن لم ينفوا صفة الثبوت واللزوم لفعل القانون في الواقع، وبناء على ذلك لايصح مقولة ( إن القوانين الطبيعية هي جوازية احتمالية )، والصواب هو : إن القوانين الطبيعية هي ثابتة ولازمة للمادة، مع نفي اليقين عنها رياضياً.

والحركة والتجدد للشيء المتشكل لايعني أن شكله الذي ثبت عليه يمكن تغيره، فالحركة و التجدد إنما هو لبنية الشيء كوانتومياً وليس للشكل الذي حصل نهاية لأن الشكل صار له مبنى وعلاقة ثابتة لازمة له ويتم التجدد مع المحافظة على الصورة و الشكل والمبنى الذي كان عليه ( ثبات الهوية).

   نقاش النقطة الثانية

قولهم: إن رجحان ظهور احتمال معين دون الاحتمالات الأخرى يحتاج لمرجح واعي، وهذا منفي عن العناصر الكوانتومية ومنفي عن القوانين، ويحتاج لإرادة لحظية آنية عند كل فعل جديد.

فلا شك إن العناصر الكوانتومية لاتملك إرادة حرة واعية بذاتها ، وكذلك القانون لايملك وعياً يتحرك به، ولابد من محرك يملك إرادة واعية، ولكن هذا لايعني أن لابد لكل فعل في الواقع من إرادة خاصة تتعلق به لظهوره وترجيحه على بقية الاحتمالات الكامنة ، فالواقع يدل على ثبوت تعلق الإرادة بشيء يظهر دائماً، وهذا يحتاج إرادة واحدة مسبقاً يستمر عليها في ظهوره وفق سنة معينة، و لاداعي لتجدد الإرادة ذاتها للفعل ذاته، و وجود احتمال تعلق الإرادة  بغير الفعل الثابت واللازم الذي ظهر هو مفهوم يتعلق بالإمكان وليس كل فعل ممكن يظهر في الواقع، ولاشك أن تغيير الفعل الثابت اللازم لابد له من تدخل إرادة حادثة واعية مباشرة في هذا الفعل ذاته ويكون ذلك الفعل خلاف الأصل الثابت وهو نادر الحدوث ولكنه من الممكنات.

وما وصلنا إليه هو إن الخالق خلق الوجود وفق منظومة سننية أودع فيها الحركة والتطور تقوم على محور الثابت و المتغير ، وهذا الوجود يسير على موجبها، ولايحتاج كل فعل بذاته لإرادة خاصة به، فهو يسير بالإرادة السابقة وتحت القيومية و السمع والبصر والمراقبة، ومع إمكانية تدخل الخالق باختيار ظهور أحد التشكلات والصور خلاف الأصل الثابت ولكن وفق القوانين الكلية ، وهذا الأمر مرتهن بمشيئة الخالق كونه مهيمن على الوجود والسنن التي تحكمه، ويمكن أن نعلمها ولكن لا نستطيع  أن نفعل مثله.

    ولذلك نقول: إن افتراض وجود الإرادة المتجددة اللحظية لكل فعل تنفي عن الخالق العلم و تنفي ثبات السنن والتنبؤ بالأحداث، وكون هذه الأمور ثابتة مما يجعل  افتراض الإرادة اللحظية عبث لأنها تتكرر على الشيء الثابت ذاته كل مرة بشكل مستمر، و بالتالي انتفى الحكمة من تجديد الإرادة لكل حدث هو حاصل ضرورة بشكل ثابت على ما هو عليه، غير أن تجديد الإرادة أو جعل لكل حدث إرادة خاصة به لتوجده يقتضي وجود مليارات توجه الإرادة كل لحظة بعدد التشكلات التي تظهر في الواقع، وهذا نقص في علم الخالق وقدرته أو ضعفه وتردده في اتخاذ قرار استمرار الخلق على ما هو عليه أو تغييره ، بينما وجود الكون بإرادة سابقة وفق منظومة سننية تقوم على محور الثابت والمتغير وتتحرك تحت السمع والبصر الإلهي والمراقبة والقيومية هو قمة التعظيم للخالق وإثبات العلم والحكمة و القدرة الكلية له.