وهم الإنقاذ

حيلة السيد لاستعباد العقول

         في مزرعة مترامية الأطراف تقع في قلب الريف القاسي، كان هناك مالك قاسٍ يُدعى السيد جريجوري، يسيطر على مجموعة من العبيد المكبلين بالقيود الجسدية والنفسية. كان السيد جريجوري معروفًا بظلمه الشديد، إذ كان يُرهق العبيد بالعمل من الفجر حتى المغيب، ولا يمنحهم سوى القليل من الطعام بالكاد يسد رمقهم. كانت أوامر ضرب العبيد وإذلالهم تُنفذ بوحشية يومية على يد المسؤولين المعينين من قبله، مما جعل حياتهم جحيمًا لا يُطاق.

     ومع مرور الأيام، تراكم الكره في قلوب العبيد تجاه مالكهم الظالم. كانت الأحاديث الهمسية تنتشر بين جدران الأكواخ المتهالكة، محذرة من ثورة قادمة، وتململت قلوبهم بشوق إلى الحرية. وصل خبر هذه الكراهية إلى مسامع السيد جريجوري، فشعر بالخوف من أن يتحول هذا الكره إلى تمرد، يدمر نظامه المستبد، ويسلب منه سطوته.

      استشار السيد جريجوري أحد مستشاريه الأذكياء، رجل خبير في السيطرة على العبيد والحفاظ على طاعتهم. اقترح المستشار خطة خبيثة تستهدف النفوس، خطة تُشعر العبيد بنعمة مزيفة، وتجعلهم يظنون أنهم انتصروا في صراعهم. قال له المستشار: “دع المسؤول يصدر قرارًا باسمه، يقضي بصفع كل عبد عشر صفعات في الصباح قبل بدء العمل. ثم، عندما يشتكي أحدهم من هذه المعاملة، تدخل كالمُخلص الرحيم، وخفف عنهم الصفعات إلى خمس فقط، ليعتقدوا أنك المنقذ الذي يرحمهم من الظلم.”

     نفذ السيد جريجوري هذه الخطة بمهارة. في الصباح التالي، بدأ المسؤول بصفع كل عبد عشر مرات قبل العمل. انتشر الألم والغضب بين العبيد، وبدأت الهمسات تتعالى، حتى قرروا أخيرًا إرسال ممثل عنهم للشكوى إلى السيد جريجوري. اختاروا عبدًا شجاعًا يُدعى سام، الذي ذهب مرتجفًا لمقابلة المالك، عارضًا شكواهم بحزن وألم.

        أظهر السيد جريجوري دهشته الزائفة، وتظاهر بالاستنكار. قال بصوت ملؤه التمثيل: “كيف يمكن لمثل هذا الظلم أن يحدث تحت نظري؟ سأقوم بحماية حقوقكم!” وفي اليوم التالي، أمر العبيد جميعًا بالتجمع، وألقى خطبة زاخرة بالكلمات المليئة بالرحمة والإنسانية، تحدث عن العدل والكرامة، ووبخ المسؤول أمامهم. ثم قال بصوت عالٍ: “خفف ظلمك عنهم! لا تصفع كل واحد منهم سوى خمس صفعات فقط. يجب أن نحافظ على كرامتهم.”

صرخ العبيد فرحين، يهتفون بحياة السيد جريجوري، شاكرين رحمته الزائفة، ولم يدركوا أنهم لا يزالون تحت وطأة الظلم نفسه، بل أعمى شعورهم بتحقيق مكسب صغير عن رؤيتهم للخدعة الكبرى. عادوا للعمل بجد، مقتنعين بأنهم نالوا انتصارًا، فيما كان السيد جريجوري يراقبهم من نافذته بابتسامة ماكرة، مستمتعًا بسيطرته المتجددة على نفوسهم، مطمئنًا إلى استمرارية حكمه الظالم.