وهم المنطق واللعب بالكلمات
في يوم من الأيام، اجتمع الحكماء والمفكرون في قرية تدعى “وادي الأفكار”. كانت هذه القرية مكانًا يجتمع فيه الناس لمناقشة أعمق الأسئلة الفلسفية والتحديات العقلية. في هذا الوادي، عاش رجل يدَّعي اسمه زيد، معروف بطرحه أفكارًا تبدو غريبة في ظاهرها، لكن كثيرًا ما كان يُسحر الناس ببلاغته وقدرته على إثارة النقاش.
في صباح أحد الأيام، وقف زيد وسط ساحة القرية، ورفع صوته قائلاً: “أيتها العقول النيرة، اليوم سأبرهن لكم أن الدائرة مربعة، وأن المثلث يمكن أن يكون له أربعة أضلاع، وأن ما هو متغير يمكن أن يكون أزليًّا لا يتبدل!”
ضحك البعض، بينما بدأ آخرون في الهمس، متسائلين عن ماهية الحجج التي سيقدمها زيد. تقدم أحد الحكماء، واسمه فاضل، وقال: “زيد، إن ما تقوله مثير للاهتمام، لكننا نحتاج إلى المنطق السليم، وليس مجرد البلاغة.” فابتسم زيد وبدأ عرضه.
قال زيد: “تخيلوا معي دائرة، أليست الدائرة تحتوي على مساحة؟ وبما أن المساحة هي خاصية يمتلكها المربع، ألا يعني ذلك أن الدائرة يمكن أن تكون مربعة؟” صفّق له البعض تقديرًا للفكرة المثيرة، لكن فاضل ابتسم وقال: “أنت تلعب على الألفاظ يا زيد. وجود مساحة للدائرة لا يعني أنها مربعة. المربع له خصائص محددة: زوايا قائمة وأربعة أضلاع متساوية. أما الدائرة، فتعريفها بسيط: هي مجموعة من النقاط تبعد مسافة ثابتة عن مركزها، ولا تحتوي على أي زوايا أو أضلاع. المنطق السليم يقول إن الاشتراك في خاصية عامة لا يساوي التشابه في التعريف.”
لم يتراجع زيد، وقال: “حسنًا، لنأتِ إلى المثلث. أليس بإمكاني رسم ثلاثة أضلاع، ثم إضافة ضلع رابع؟ ألن يصير المثلث ذا أربعة أضلاع؟” ضحك فاضل وقال: “ما تفعله هنا ليس إثباتًا، بل هو تغيير تعريف المثلث ذاته. المثلث، بتعريفه، هو شكل مغلق بثلاثة أضلاع وثلاث زوايا. إذا أضفت ضلعًا، فلن يكون مثلثًا بعد الآن، بل شكلًا آخر. المغالطة هنا هي أنك تحاول أن تغير الأصل وتظل تسميه كما هو.”
ثم وقف زيد مرة أخرى وقال: “أتعلمون؟ لقد ثبتت رواية ظنية، وأنا واثق أنها يقين مطلق!” فقال فاضل بحكمة: “هنا تكمن مغالطة أخرى، يا صديقي. الرواية الظنية، بطبيعتها، غير مؤكدة تمامًا. لا يمكن أن تصير يقينًا إلا إذا دعمتها أدلة قاطعة.
إن تجاهل طبيعة الأدلة وتصنيفها كما يحلو لك لا يجعل الحقيقة تتغير. المنطق السليم يحتم علينا التفريق بين ما هو ظني وما هو يقيني.”
فصف الكلام وعرضه بشكل منطقي لخداع الناس لا يجعل الأفكار منطقية وصواب.
اضف تعليقا