الذم في القرآن
صفة الذم في القرآن: تحليل بنيوي لحركية السلوك
إنَّ الخطابَ القرآنيَّ حينَ يصفُ الشخصيةَ بأوصافِ الذمِّ، فإنه لا يُشخِّصُ أفراداً بعينِهم، بل يضعُ قوانينَ سننيةً تصفُ “الحركةَ السلوكيةَ” للإنسانِ حينَ يزيغُ عن ميزانِ الفطرةِ. فصفاتُ الذمِّ هي “وصفٌ وظيفيٌّ” لحالةٍ إنسانيةٍ، ومصطلحاتُ النصِّ هنا ليست سوى مرآةٍ لصوتِ الفعلِ الذي يمارسُه الإنسانُ في واقعِهِ، ولايعني به واحد بشخصه ؛ بل هو توصيف يتحرك في كل زمان ومكان
قولهِ تعالى {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ) يصورُ استمراريةَ هذا السلوكِ وتراكمَهُ في شخصيةِ الفردِ عبرَ الزمنِ أي كان الشخص .
أولاً: حركية “العتل” (التراكم في الغلظة)
يأتي لفظ {عُتُلٍّ} ليجسدَ الغلظةَ في التعاملِ؛ فـ “العينُ” بما تحملهُ من دلالةٍ على العمقِ، تعلنُ أنَّ هذا السلوكَ متجذرٌ في تكوينِ الشخصيةِ. وعندما نتأملُ بنيةَ الكلمةِ، نجدُ أنَّ “التاءَ” تمثلُ لحظةَ الدفعِ والظهورِ الخارجيِّ للغلظةِ، و”اللامَ” المضعفةَ ترسمُ الثقلَ واللزومَ في السلوكِ. إنَّ المَدَّ الذي يحدثُه التشديدُ هنا يُعطي انطباعاً بأنَّ الغلظةَ ليست طارئةً، بل هي “حركةٌ لازمةٌ” تُثقلُ كاهلَ المجتمعِ. إنَّ “العتلَّ” هو الإنسانُ الذي يمارسُ طغيانَهُ بصفةٍ مستمرةٍ، فهو يدفعُ بقوتِهِ (ت) من عمقِ تكوينِهِ (ع) ليبقى سلوكاً ملازماً لهُ (ل)، مسبباً ضجيجاً وجودياً في نسيجِ الجماعةِ.
ثانياً: حركية “الزنيم” (الاستمرار في الفساد)
ثم يأتي الربطُ الزمانيُّ بـ {بَعْدَ ذَلِكَ}، ليُنشئَ رابطةً بينَ الحالةِ الأولى والمآلِ النهائيِّ. فلفظ {زَنِيمٍ} يبرزُ الفسادَ للعيانِ (الزاي)، ويحتوي الخفاءَ في محاولةِ الاندماجِ (النون)، ويضمُّ الفسادَ ليكونَ علامةً ملتصقةً بالكيانِ (الميم). وهنا يأتي دورُ “الياءِ” في وسطِ الكلمةِ {زَنِيمٍ}؛ فهي لا تعملُ فقط كمادةٍ صوتيةٍ، بل هي “ربطٌ زمانيٌّ” يمتدُّ بالصفةِ؛ فالياءُ هنا كأنها خيطٌ يربطُ حالةَ “الزنيمِ” بمسارِهِ السابقِ (العتل)، مُحدثةً مداً زمنياً يُشعرُ القارئَ أنَّ هذهِ الصفةَ أصبحت جزءاً لا يتجزأُ من تاريخِ الشخصِ ومستقبلِهِ. إنَّ “الزنيمَ” ليسَ حدثاً لحظياً، بل هو “امتدادٌ” و”تراكمٌ” عبرَ الزمنِ لكلِّ فعلٍ قبيحٍ، حتى أصبحَ الفسادُ “ممدوداً” في شخصيتِهِ كالمَدِّ الذي تُحدثُه الياءُ في اللسانِ.
الخلاصة السننية:
إنَّ الذمَّ في القرآنِ هو ذمٌّ للنموذجِ السلوكيِّ الممتدِّ. فإذا كان “العتلُّ” يمثلُ بروزَ الغلظةِ في اللحظةِ الحاضرةِ، فإنَّ “الزنيمَ” يمثلُ استقرارَ هذا الفسادِ في وعيِ الشخصِ وتاريخِهِ عبرَ الربطِ الزمانيِّ الذي يمتدُّ كـ “مَدِّ الياءِ”. إنَّ الشخصيةَ التي لا تراجعُ سلوكَها تظلُّ “تمتدُّ” في فسادِها، وتتراكمُ فيها صفاتُ “الزنيمِ” لتصبحَ علامةً فارقةً ومستمرةً، مما يؤكدُ أنَّ الفردَ مسؤولٌ عن هذا “التراكمِ الزمانيِّ” لسلوكِهِ؛ فالخيارُ يبدأُ بـ “العتلِّ” (الغلظةِ الحاضرةِ)، وينتهي بـ “الزنيمِ” (التاريخِ الممتدِّ بالفسادِ). إنَّ الياءَ هنا هي “أداةُ ربطٍ” تذكرُ الإنسانَ بأنَّ كلَّ لحظةِ غلظةٍ تمدُّ في فسادِهِ، وتُعمقُ في كيانِهِ صفةَ “الزنيمِ”، ليكونَ المآلُ في ميزانِ السننِ إعلاناً عن فشلِ الإنسانِ في أن يكونَ متصلاً بالفطرةِ التي لا تقبلُ الزيادةَ والتشويهَ.
samer Islamboli2026-06-28T14:54:38+03:00
شارك المحتوى على مواقع التواصل
اضف تعليقا