مفهوم كلمة الجبل بين الصخرة والوعي
مفهوم كلمة الجبل بين الصخرة والوعي
يستوجب الفهم الدقيق والعميق الالتزام الصارم بالمنهج اللساني، حيث تمتلك الكلمة في اللسان العربي مفهوما جذريًا واحدًا ثابتًا لا يتغير، ويظهر المعنى من خلال السياق بدلالة مادية أو معنوية، ويكون الحكم في ذلك هو محل الخطاب والمنطق السليم. ومن هنا تتجلى الحقيقة الناصعة بأن القول بوجود المجاز ما هو إلا هروب من الدلالة المعنوية، وإخفاء للقصور في تدبر النص، بينما القرآن لا يوجد فيه مجاز أبدًا، وقد نزل بالحق والصدق وهو محكم. فكل كلمة وضعت في موضعها الحقيقي لتؤدي غرضها وفق مفهومها الجذري.
بتطبيق المنهج اللساني على كلمة جبل، نجد أن أحرفها الثلاثة تشكل مفهوما جذريًا واحدًا يتمثل في الجيم الذي يفيد الجهد والقوة، والباء الذي يدل على التجمع والاستقرار، واللام الذي يشير إلى لزوم الحركة وثقلها. وعليه، فإن الجبل يشمل كل من يتحقق فيه هذا المفهوم الجذري، سواء كان كيانًا ماديًا كالتضاريس، أو كيانًا معنويًا بشرياً اجتمعت فيه القوة واستقر ولزم حركته بثقل.
وقد أثبتت القواميس هذا المعنى صراحة دون مجاز؛ ففي كتاب لسان العرب لابن منظور ورد نصًا: والجبل السيد من الرجال، والجبل الجماعة من الناس. وفي كتاب القاموس المحيط للفيروزآبادي جاء نصًا: الجبل السيد، والعالم، والغليظ، والجماعة. هذا التوثيق يثبت أن الجبل يطلق حقيقة على العالم الكبير والسيد المطاع، ولا يقتصر حصرًا على الكتلة الصخرية.
وبما أن النص القرآني محكم ونزل بالحق والصدق ولا مجاز فيه، فإننا نتدبر حضور كلمة الجبال بناء على السياق ومحل الخطاب والمنطق اللساني. فعند النظر في مسألة الاستجابة والتسبيح مع النبي داوود، نجد النص القرآني يقول: {يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد} (سبأ: ١٠)، ويقول أيضا: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق} (ص: ١٨). إن فعل التسبيح وفعل الأوب يتطلبان إدراكًا ووعيًا واستجابة إرادية. وبما أن المجاز باطل ومستبعد تماما في النص القرآني المحكم، فإن الخطاب هنا لا يوجه لكتل صخرية صماء. بل إن الجبال هنا، وفق المنهج اللساني، هم السادة وكبار العلماء الراسخون في العلم الذين شاركوا النبي داوود في مجالس التسبيح والتعلم . هؤلاء الرجال حققوا الدلالة التامة لكلمة جبل في قوتهم واستقرارهم ولزومهم للحق، فكانوا جبالًا حقيقة، وكان تسبيحهم حقيقة.
كذلك الأمر في نزول النص القرآني وتصدع الجبل، حيث يقول النص القرآني: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} (الحشر: ٢١). النص القرآني هو خطاب معرفي ثقيل، وتلقيه يستوجب وعيًا حيًا قادرًا على الاستيعاب. إن القول بنزول هذا الخطاب المعرفي المعقد على كتلة صخرية يتنافى مع المنطق، وهو ما يدفع العاجزين عن التدبر إلى الهروب نحو المجاز. ولكن بالتدبر اللساني المحكم، يتضح أن الجبل هنا هو العالم الكبير والقطب الراسخ في علمه. فهذا العالم الفذ، الذي بلغ في المعرفة مبلغًا جعله جبلاً راسخاً لو واجه هذا القرآن وأدرك كنهه المطلق، لتصدع قلبه وعقله خشية من الله، ولتفكك كبرياؤه المعرفي أمام جلال الحق وثقل الخطاب. هذا هو المعنى القائم على الحق والصدق في كتاب محكم لا يأتيه الباطل أبدا.
samer Islamboli2026-06-11T18:13:55+03:00
شارك المحتوى على مواقع التواصل
اضف تعليقا