الحيوان والحياة في البيان القرآني: دراسة في الفرق الدلالي بين المفهومين

   تُعد كلمتا «الحياة» و«الحيوان» من الألفاظ القرآنية التي تنتمي إلى أصل واحد، إلا أن استعمال القرآن لهما يكشف عن تمايز دلالي واضح بينهما. فكلمة «الحياة» وردت في مواضع كثيرة من القرآن الكريم للدلالة على الوجود المقابل للموت، وعلى حالة الكائن الحي، كما استُعملت للدلالة على نمط العيش وكيفيته، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. أما كلمة «الحيوان» فلم ترد إلا مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

إن الاقتصار على موضع واحد لكلمة «الحيوان» مع وجود كلمة «الحياة» بكثرة في النص القرآني يلفت النظر إلى أن القرآن لا يستعمل اللفظين بمعنى واحد. فالآية لا تقيم مقابلة بين حياة وحياة، وإنما بين «الحياة الدنيا» بوصفها مرحلة محدودة وعابرة، وبين «الحيوان» بوصفه الحقيقة الكاملة المقابلة لها. ولذلك لم يقل النص: «وإن الدار الآخرة لهي الحياة»، بل اختار لفظ «الحيوان» للدلالة على معنى أوسع وأعمق.

ومن خلال السياق القرآني يمكن ملاحظة أن الحياة الدنيا يعتريها الانقطاع والموت والزوال، بينما الدار الآخرة هي الوجود الذي لا ينقطع ولا يعتريه الفناء. ومن هنا يظهر أن لفظ «الحياة» يدل على أصل الوجود الحي، في حين أن لفظ «الحيوان» يدل على تمام الحياة وكمالها وثباتها واستمرارها. ولهذا لم يُوصف أي موجود في الدنيا بأنه «الحيوان»، رغم وصف كثير من الموجودات بأنها حية أو بأنها تحيا بعد موتها، كما في إحياء الأرض بعد موتها.

ومن المهم التنبيه إلى أن الواو في كلمة «الحيوان» ليست واوًا كُتبت بدل الألف كما في بعض الكلمات المرسومة في المصحف على نحو «الصلوة» و«الزكوة»، بل هي واو أصلية في البنية الصرفية للكلمة كما وصلت إلينا في التلاوة الصوتية المتتابعة في الأمة. فالكلمة تُنطق بالواو في جميع الأحوال، وتظهر الواو جزءًا من صيغتها الاشتقاقية، وليست مجرد طريقة خاصة في الرسم الاصطلاحي. ولذلك لا يصح قياس «الحيوان» على «الصلوة»، لأن الواو في الأولى عنصر صرفي وصوتي داخل الكلمة نفسها، أما الواو في الثانية فمرتبطة بالرسم العثماني مع بقاء النطق على صورة «الصلاة».

وبناءً على الاستعمال القرآني يمكن القول إن «الحياة» هي حالة الوجود الحي المقابلة للموت، أما «الحيوان» فهو الحياة الكاملة المستقرة التي لا يداخلها فناء أو انقطاع. ولهذا خُصّت الدار الآخرة بوصف «الحيوان» لأنها تمثل الوجود التام الذي تتحقق فيه الحياة على وجهها الكامل، بخلاف الحياة الدنيا التي تبقى مرحلة مؤقتة محدودة تنتهي بالموت والزوال.