إباحة اللقاح دون نكاح
لقد حرَّم المشرع الفاحشة، التي هي علاقة نكاح بين رجل وامرأة بصورة غير شرعية. والسؤال المعروض: هل إلقاح بُويضة امرأة عازبة تريد طفلاً لتمارس أمومتها، ويكون مساعداً لها في حياتها الاجتماعية، وتحقّق توازنها النَّفْسي، وغير ذلك من الأمور، أو كانت المرأة متزوّجة، ولكنَّ زوجها عقيم، أو كانت المرأة نَفْسها عقيماً، فهل جلب مَني رجل غريب أو بُويضة امرأة غريبة، وإتمام اللقاح، ووضع الجنين في رحم المرأة (الزوجة) يحرَّم شرعاً؟!
أول أمر ينبغي معرفته هو التفريق بين نكاح المرأة، وإلقاح البويضة، فمن المعلوم أن اللقاح يمكن أن يتمَّ دون نكاح للمرأة، مثل طفل الأنابيب، واستئجار رحم المرأة، وغير ذلك من وسائل، يتمُّ من خلالها تلقيح بويضة المرأة دون حصول نكاح لها من قِبَل الرجل، ومسألة أخذ بويضة الزوجة وتلقيحها بمَني الزوج، وإرجاعها إلى رحم الزوجة، أو امرأة أخرى، أو وضعها في أنبوب؛ فهذه الصورة مباحة، لا خلاف عليها، والجديد في المسألة هو أَخْذ مَني من رجل غريب، وتلقيح بويضة الزوجة بها؛ أو أخْذ مَني وبويضة غريبة ووضعها في رحم الزوجة، وحمل هذا الجنين في رحم الزوجة، وولادته منها؛ فهل تلك العملية حرام، أو حلال؟!
ابتداءً، لا تُعَدُّ هذه العملية فاحشة، لانتفاء حصول النكاح فيها؛ وبالتالي؛ لا يتناولها نصّ تحريم الفاحشة، أمَّا القول بأن علَّة الفاحشة هي اختلاط الأنساب ؛ فهو قول مردود ؛ لأن الفاحشة يمكن أن تنضبط ممارسة؛ بحيث لا تتمّ عملية اختلاط الأنساب، فضلاً عن أن ذلك ليس علَّة شرعية للتحريم؛ لانتفاء وجود النصّ عليها، كما هو معلوم في الأصول، ولو أن ذلك أحد احتمالات مقاصد تحريم الفاحشة، فإنْ ذلك لا يصحُّ استخدامه علَّة للتحريم، وما ينطبق على تلك المسألة يَنطبق على كلّ احتمال يتمّ وضعه كمقصد للتحريم، فنهاية الأمر هو أمر عقلي، يتمُّ البحث فيه، ودراسته، والنتيجة غير مُلزمة لأحد، إلاَّ إذا تبنَّاها القانون.
وينبغي العلم أن المنطلق والأساس للبحث هو أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا النصّ. فَمَنْ يقول بالتحريم ينبغي أن يأتي هو بالبرهان على ذلك؛ لأن الحرام مقيّد بالنصّ، والحلال مُطلَق. وهذه المسائل ليست أصلاً في المجتمع، وإنما هي أمور استثنائية ظرفية، وعلاج لمشاكل أُسرية. وينبغي أن تخضع لنظام المجتمع، وأن يُقنن قوانين تنظمها؛ ليحمي الأولاد اجتماعياً، مع العلم أن هؤلاء الأولاد هم بمثابة أولاد الزوجة بالنسبة للرجل؛ فلا يرثونه، ولكنْ؛ ينبغي التوصية لهم بالميراث.
أمَّا الخوف من عملية أن يكبر الولد، ويقوم بالزواج من أخته دون عِلْمه، وما شابه ذلك من أمور يمكن أن تتحقّق في الواقع، فالأمر على درجة من السهولة، ويكون بأخذ مَني، أو بويضة من بلد، غير بلد الإنسان المقيم فيها، عندئذ؛ يتمُّ استبعاد حصول هذه العلاقة إلى درجة بعيدة جداً، ومع افتراض حصولها حقيقة دون علْم أحد إطلاقاً، فالزواج صحيح، ولا يُؤثّر عليه، مثله مثل أيّ زواج؛ لأن من المعلوم أن العلاقات الأُسرية هي علاقات ثقافية واعية، وإن انتفت هذه المفاهيم؛ فالذَّكَر والأنثى محلّ اشتهاء لبعضهما؛ وبذلك الأمر يُباح للرجل أن يُنجب طفلاً بواسطة اللقاح دون نكاح، ويصير عنده ولد. وتصير الأسرة مُؤلّفة من والد وولد فقط. وكذلك المرأة يُباح لها أن تُلقّح بويضتها دون نكاح، ويصير عندها ولد، وتصير أسرتها مؤلّفة من والدة وولد فقط، وهذا الولد يرث والدته أو والده، ويحمل اسمهما.
وهذا العمل يُشترَط أن يتمَّ وفق نظام المجتمع؛ ليحمي الوالدة والولد. وهذه المسائل هي حلول استثنائية ظرفية لمَنْ لا يستطيع الزواج لسبب ما، ويريد أن يُكوِّن أسرة، ويمارس أُبُوَّته، أو تمارس أُمُومتها، ويكون الولد عوناً لأبيه، أو أمّه، في شيخوختهما.
أمَّا قوله تعالى: {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } (الأحزاب 4–5). ينبغي الانتباه إلى دلالة كلمة (آباء)، فلم يستخدم الشارع كلمة (وَالِدَيْن)، للفرق بين دلالة كلّ من الكلمتَيْن، فليس من الضرورة أن يكون الوالد أباً في الحياة الاجتماعية، فقد يموت الوالد قبل ولادة الطفل، ويقوم العمّ أخو الوالد بتربية الطفل، فيصير أباً له. فالنصّ يدلّ على أن الأولاد المُدَّعين من قِبَل رجل ما – هم في الأصل – قد وُلدوا لوالد، وتربّوا عنده، وصار لهم أباً، وأدركوا هذه العلاقة الأبوية، ويكون ذلك عادة، في سنِّ السنتَيْن من العمر فصاعداً؛ إذْ هي حدّ أقصى لأحكام الرضاعة؛ فهذا الولد ذو السنتَيْن من العمر، وصاعداً، يدرك أبوَيْه، ويميّزهما عن غيرهما. فالنصّ يتكلّم عن هذه الحالة، لذلك تمَّ استخدام كلمة (آبائهم) عوضاً عن كلمة (والديهم).
اضف تعليقا