مفهوم الرهبانية

كلمة الرهبة أصلها اللساني من (رهب) التي تدل على تكرار مؤرجح بخفة منته بجمع مستقر، وهذا دلالة أصوات أحرف الكلمة فيزيائياً، وظهرت في الاستخدام الثقافي بمفهوم تقليص الحركة، وإضعافها وتحديدها من منطلق الخوف والتعظيم، ومن هذا الوجه ظهر مفهوم (الرهبانية)، التي تدل على الانكماش من الحياة الاجتماعية وملذاتها، وممارسة النشاط على حده الأدنى من منطلق الخوف والتعظيم  بصورة ذاتية.

نلاحظ أن الخوف هو الأساس لحصول الرهبنة، وإن انتفى الخوف؛ ينتفي فعل الرهبنة، والرهبة يمارسها الإنسان بحرية في نفسه، مثل خوفه من الإقدام على ممارسة الفواحش من منطلق إيماني، أو علمي، فيبتعد عن ذلك، اقرأ قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } (البقرة 40)، وعهد الله؛ هو الصدق والالتزام بتعامل الإنسان في حياته الاجتماعية وَفق مفهوم المحبة والسلام والعدل والحرية، فإن أوفى بعهده؛ يُوفِ الله بعهده من حيث استقرار الأمن والطمأنينة في المجتمع، وانتشار الخير والصلاح.

لاحظ؛ أن عمل الرهبة يصدر من واحد، فالإنسان يَرهبُ اللهَ، وليس اللهُ يُرهِبُ الإنسان.

إذاً؛ فعل ( رهب) الجذر الثلاثي صدر منه فعل (يَرهبُ، يَرهَبون، تَرهَبون) والمصدر (رهبة) واسم الفاعل (راهب)، وفاعل (يَرهَب) من قام بممارسة الرهبة في نفسه على أرض الواقع بحرية تامة.

ومن فعل (رهب) ظهر الفعل الرباعي المزيد ( أرهَبَ، يُرهب، يُرهبون، تُرهبون)، والمصدر (إرهاب)واسم الفاعل(مُرهب).

بداية؛  لم يخلق الله الناس ليترهبنوا وينكمشوا عن التفاعل مع الحياة ويعيشوا فرادى في البراري أو الصوامع  على رؤوس الجبال، وينعزلوا عن مجتمعهم وفعل الخير والصلاح والرشاد، وإنما خلقهم ليتفاعلوا مع  الحياة ويتعاونوا مع أبناء جنسهم وجعلهم خليفة في الأرض ليعمروها  ويرتقوا بأنفسهم ويزكوها استعداداً لحياة أخرى أفضل من الأولى، هذه نقطة ينبغي أن نثبتها حين الدراسة لأي نص يتعلق بحركة الإنسان ووظيفته في الحياة الدنيا.

نأت لدراسة مفهوم الرهبانية في النص التالي:

{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ }الحديد27

أداة ( إلا) في جملة (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ الله) ليست أداة استثناء متصل ولاحصر رغم سبقها بأداة نفي (ما)، ويتميز الخطاب القرءاني بحيويته ومشاركته للمخاطب في الوصول للمعنى ، ولايكون ذلك إلا بفهم السياق كله وعدم تجزئة أي كلمة أو جملة من سياقها مع إسقاط النص على محل تعلق الخطاب ، واستحضار المفاهيم الثابتة التي توجه دراسة النص وتحدد المعنى له .

فالمفهوم الثابت هو أن الله خلق الإنسان للتفاعل والفاعلية مع الحياة والناس، ولذلك أتت جملة اعتراضية في النص وهي (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) لتنفي أن  الرهبانية طلب من الله أو أمر بها وأثبت أنها بدعة من الرهبان أنفسهم (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) ، ولنزيل الجملة نظرياً من النص ونتابع دراسته وفق المفهوم العام الذي ثبت لدينا (التفاعل مع الحياة ونفي الرهبانية) ليصير النص افتراضاً (…وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا (…)إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ }الحديد27

وكون الخطاب يشارك في معناه المخاطب والواقع وسياق النص فيكون المعنى لكلمة(إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ الله) تعني إن الذين اختاروا الرهبنة فعلوا ذلك ابتغاء رضوان الله وبذلك يكون دلالة أداة (إلا) للتأكيد وليس للاستثناء أو الحصر، أو هي من نوع الاستثناءالمنقطع ، ولكن لم يعطوها حقها كما هو مفهوم الرهبنة من حيث الزهد بأموال الناس والمغريات و الشهوات والعزوف عن الدنيا عموماً والتفرغ للعبادة الطقوسية والتأمل، وتحتمل معنى أن رضوان الله غير محصور بالتفرغ للعبادة الطقوسية وليست هي أفضل الأعمال، فلاشك أن فعل الخير والصلاح أفضل وأعظم منها لمن يريد رضوان الله عليه، ومع ذلك أعطى الله المؤمنين منهم أجراً وأخبر أن أكثرهم فاسقون لعدم رعاية الجانب الأخلاقي والسلوكي للرهبنة التي ابتدعوها.

لذلك لارهبانية في الإسلام ، ولم يأمر الله بها أو يطلبها ،فهي خلاف دين الله، وكل الناس مطلوب منهم التفاعل مع الحياة والفاعلية ، ولالرجال الدين و الكهنوت