مفهوم الواجب بين الحب والعقوبة
ساد في مفهوم المسلمين أن الواجب هو ما أتى طلب فعله بصيغة الأمر وترتب على تركه عقوبة أو تهديد أو تهويل بالعذاب. وكل أمر لا يتحقق به ذلك فهو ليس واجباً، ومن جراء ذلك صار معظم المسلمين يتحركون من منطلق التهديد والتهويل بالعذاب فقط، بمعنى لا يفعلون الأمر إلا والعصا فوق رأسهم ، فإن غابت العصا يتركون الأمر بحجة عدم وجوبه لنفي وجود العصا فوق رأسهم ، وبذلك المفهوم الترهيبي ظهر جيل لا يتحرك إلا والعصا فوق رأسه ، ولا يقدم على أداء الأوامر رغم أنها أمر وواجب ولكن لايوجد عصا تهدده، ويحتج أن ذلك ليس واجباً لانتفاء العصا فوق رأسه، فغاب إنسان الواجبات وظهر إنسان الحقوق المستهلك فقط.
تعالوا بجولة في الحياة الاجتماعية لنرى كيف أنه يوجد كثير من الأوامر التي هي واجبة التنفيذ دون وجود عصا وترهيب لأن الخطاب هو للعقلاء المحترمين الذين يسمعون القول ويتبعون أحسنه فيسارعون لتنفيذه طوعاً وحباً وكرامة ومنفعة لهم ولغيرهم.
إن طلب والد من ولده كأس ماء، هل هذا أمر واجب أم هو أمر اختياري ولاحرج من تركه وعدم الرد على الوالد؟
نلاحظ أن الوالد لايوجد معه عصا يرفعها فوق رأس ابنه فهو يطلب منه جلب كأس ماء بصيغة الأمر أو الطلب، والولد يفهم أن الطلب هذا واجب تطبيقه بصرف النظر عن الصيغة التي تم صياغته لسانياً، ويعلم علم اليقين أن والده لن يضربه بعصا في حال لم ينفذ طلبه ،فهل الولد يقف ويحلل الوضع من منطلق الترهيب والعصا وبناء على قناعته أنه لايوجد عصا ولا ترهيب ولا عذاب فيصل إلى قرار أن طلب والده ليس واجب التنفيذ، فتركه وانصرف ولم يرد عليه.
انظروا للأمر بموضوعية ، ماموقف الوالد من ولده الذي رفض طلبه؟ هل هو موقف الرضا أم موقف السخط والانزعاج والضيق من سلوك ابنه؟ ماذا ترتب على سلوك الابن في علاقته مع أبيه؟ هل تنشأ علاقة حب وود واحترام بين الوالد وابنه؟ هل يتعامل الأب مرة ثانية مع ابنه؟
لاحظوا أن العلاقة بين الأب وابنه توترت واضطربت وفسدت وضعفت رغم أنه لا يوجد ترهيب ولا عصا لعدم جلب كأس الماء، ولكن ماترتب على ذلك أشد من الترهيب والعصا للابن الواعي المثقف الذي يحمل الحب لأبيه والاحترام فهو خسر حب أبيه ووده واحترامه له،وخسر الدعم المعنوي وربما المادي أيضاً، خسر في نفسه تلك العلاقة الرائعة بين الأب وابنه وسوف تنعكس عليه قلقاً وحزناً وضيقاً ويفقد الانتماء والحس بالأمن والطمأنينة.
انظروا أيضاً لعلاقة المريض بطبيبه، عندما يطلب الطبيب من المريض أن يتناول الدواء ضمن مراحل معينة ولفترة محددة، هل هذا الطلب واجب التنفيذ أم هو أمر اختياري وممكن للمريض أن يتركه ويضرب بأمر الطبيب عرض الحائط ولا يبالي به ؟ هل الطبيب هدد المريض بالضرب ورفع العصا فوق رأسه حتى يلتزم بأمره ، أم المريض يلتزم بطلب الطبيب حباً وطوعاً وكرامة وخاصة أنه يعلم أن ذلك لمنفعته الشخصية وليس لمنفعة الطبيب ، ولو افترضنا أن المريض لم يرد على الطبيب، وعاد بعد فترة للطبيب ومازال مريضاً يشكو من ألمه وسأله الطبيب هل التزمت بأخذ الدواء كما طلبت منك؟ فنفى المريض ذلك بحجة أن الطلب لم يكن بصيغة الأمر ولم يرافقه تهديد بالضرب والعذاب فظن أن الأمر هو للخيار فتركه ! فبرأيكم ما هو موقف الطبيب منه؟ هل يسر من فهمه وسلوكه؟ أم يوبخه ويعاتبه ويصفه بعدم الفهم والوعي ؟
هل غضب الطبيب من مريضه يرجع لمصلحة الطبيب أم مصلحة المريض ؟
انظروا أيضاً لطلب المعلم من طلابه كتابة الواجب المدرسي بصيغة محببة دون تهديد ولا عصا مرفوعة؟ هل يفهم الطلاب أن طلب المعلم هو للخيار وممكن يتركوه ولا يعملوه؟ وفي حال تركوه ولم يعملوا الواجب المدرسي من يخسر ويدفع الثمن المعلم أم الطالب بفشله ورسوبه آخر العام وعدم تحصيل العلم ؟
الواجب هو مفهوم يقوم به الإنسان الراقي دون النظر للعقوبة أو التهديد ، والذي يدفعه لذلك هو الوعي والحب والود والاحترام والمنفعة لشخصه أو غيره، ووجود العقوبات أو التهديد بها لبعض الواجبات إنما هي المتعلقة بالضرر للناس، فحتى يحفظ المشرع حقوق الناس ومصالحهم رتب على ترك الواجبات أو فعل النواهي والمحرمات المتعلقة بالناس عقوبة رادعة لتمنع الناس الذين لا يلتزمون إلا والعصا فوق رأسهم، لأن الناس متفاوتة بالوعي والثقافة وليسوا كلهم بمستوى التزكية و الطهارة لأنفسهم.
انظروا مثلا لواجب العبادات في القرءان الصلاة والحج وصيام رمضان، هل تجدون المشرع وضع لتاركها عقوبة أو تهديد أو ذكر عذاب له ؟ والجواب لايوجد ذلك ، ولكن عدم وجود التهديد والعصا المرفوعة فوق الرأس لاينفي وجوب تلك العبادات بالنسبة للإنسان الراقي الذي يحب الله ويوده ويعظمه، وهو حريص على أن تكون العلاقة مع الله جيدة وباتصال دائم .
انظروا مثلا لتحريم أكل الميتة ولحم الخنزير والدم المسفوح، هل تجدون عقوبة مذكورة في القرءان لمن يمارسهم وحده ويتعاطىى بهم أكلاً؟ ومع ذلك أتى النص بتحريمهم ، وعلى الإنسان أن يلتزم بذلك وفق المنظور الذي عرضته .
وانظروا أيضاً لنهي المشرع عن تناول الخمر وهي كل مادة تغيب الوعي عن الإنسان بصرف النظر عن وسيلة تعاطيها أو نوع المادة، هل تجدون ذكر عقوبة لها في القرءان مثل ذكر عقوبة السارق أو عقوبة الزاني؟ والجواب لايوجد عقوبة منصوص عليها، وهذا يدل على نفي العقوبة لها ولكن ليس نفي النهي عن تعاطيها، وذلك من منطلق مفهوم الواجب الذي عرضته لأن الله يتعامل مع الإنسان العاقل الحر الواعي.
وانتبهوا ينبغي أن تفرقوا بين التعاطي والترويج للحرام أو المنهي عنه، فالتعاطي هو شيء خاص بك ، أما الترويج له بين الناس فقد انتقلت إلى نشر الفساد والأذى في المجتمع، وبالتالي يطولك القانون و العقوبة ، وهذا التفريق معمول به في كل القوانين الأرضية وهو أمر منطقي وعدل ورحمة ، لذلك الوصايا العشرة كلها متعلقة بشؤون الناس وحفظ حقوقهم ومصالحهم وعدم الاعتداء عليهم.
لذلك؛ ينبغي التأكيد على إنسان الواجبات قبل إنسان الحقوق، وننشر الوعي الثقافي الراقي الإنساني بين الناس ونحثهم على الالتزام بالواجبات من منطلق الصواب والحق والحب والخير والرقي وليس من منطلق العقوبة والعصا المسلطة على رؤوسهم والتهديد بالعذاب والتهويل، فإنسان الواجبات المتعلقة بالعصا والعذاب هو إنسان بالحد الأدنى في إنسانيته، ومن يتركها فقد الإنسانية وانتكس إلى المرحلة البهيمية وسفك الدماء والإفساد في الأرض.
أيها الناس ارتقوا بإنسانيتكم وزكوا أنفسكم وطهروها من الشح والبخل والكراهية والعدوان ، وكونوا عباد الله إخواناً متحابين متعاونين متآزرين ترتقون بفكركم وإيمانكم فوق إنسان العقوبات والتهديد والعصا فوق رأسه.
اضف تعليقا