الفرق بين قرأ و تلى.

  قرأ: أصل صحيح يدلُّ على جَمْع واجتماع، ومجموع أحرفها تدل على وقف، أو قطع شديد مكرر، منته بظهور خفيف منقطع. وظهر ذلك المعنى ببذل الإنسان جهده للوصول إلى الحقيقة، أو الصواب؛  من خلال عملية الدراسة والتفكير،  واجتماع هذه المعرفة في ذهنه.

  تلى: من تلو، وهُو أصل واحد، وهُو الإتباع. ومجموع أحرفها تدل على دفع خفيف بحركة لازمة بطيئة، منتهية بامتداد، واستقامة.

فهُناك فرق كبير بين فعل(القراءة) وفعل(التّلاوة) في الواقع:

قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ } (الأنعام 151)

{ وَأُحِلّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلاّ مَا يُتْلَىَ عَلَيْكُمْ } (الحج 30)

والمقصد من فعل (تلى) في النُّصُوص، هُو ذكْر كلام اللّه بشكل صوتي آية تتبع آية، ومن هذا الوجه نقول : سوف يتلو عليكم زيدٌ من سُورة كذا؛ فالتّلاوة هي مُجرَّد إتباع الكلام بعضه بعضاً، دُون زيادة أو نُقصان، سواء ً أكان من صحيفة أمام التّالي، أم من ذاكرة حفْظه، فكِلا الحالتَيْن تُسمَّى تلاوة، ومن ثم؛ لا يُشترَط لمَنْ يقوم بالتّلاوة حُصُول الفَهْم والتَّدبُّر.

أمَّا فعل (قرأ)؛ فلابُدَّ له من عمليَّة الجَمْع، والاجتماع أنْ تتحقَّق في قلب القارئ، فعندما نقول: إنَّ زيداً يقرأ عليكم نصّاً إخباريّاً، غير قولنا: إنَّ زيداً سوف يتلو عليكم نصّاً إخباريّاً.

فقراءة النَّصِّ، إنَّما هي جَمْع ما يتعلَّق بهذا النَّصِّ من معاني ودلالات، والقيام بشَرْحه، وتحليله، والاستنباط منه، وإسقاطه على محلِّه من الخطاب، بمعنى آخر؛ القراءة فَهْم وتدبُّر وتفكير، وقد يُصاحبها تلاوة، وقد لا يُصاحبها تلاوة، ألا ترى أنَّ المُراقب الجوِّيَّ يقوم بقراءة صُور الأقمار الصّناعيَّة ليتنبَّأ عن الأحوال الجوِّيَّة، وكَذلك الطّبيب يقوم بقراءة الصُّور الشُّعاعيَّة، أو صُور الرّنين المغنطيسي، أو تخطيط القلب….الخ، ثُمَّ يُعطي نتيجة قراءته.

فعندما طلب اللّه من نبيِّه فعل القراءة بقوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ} (العلق 1)، كان يعلم أنَّ النّبي لا يعرف الخطِّ وتلاوة المخطوط، مما يُؤكِّد أنَّه طلب منه شيئاً آخر ضمن إمكانيَّة النّبي، وليس هُو إلاَّ فعل القراءة الذي يدلُّ على الفَهْم والتَّدبُّر للخَلْق باسم الرَّبِّ.

وكَذلك قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف 204)  ليس المقصود بفعل القراءة في النَّصِّ فعل التّلاوة له، ومن ثم؛ فالأمر بالاستماع والإنصات ليس لمَنْ يقوم بالتّلاوة، وإنَّما هُو لمَنْ يقوم بالقراءة، ومَنْ يقرأ القُرآن؟ إنَّهم ـ حسب مواضيع القُرآن ـ عُلماء التّاريخ، والفضاء، والإنسان، والبحار، والأرض، والنّبات…..الخ، كُلُّ هؤلاء يقرؤون القُرآن، فيجب على الإنسان أنْ يستمع، ويُنصت لهم؛ لأنَّه بعمله ذاك يرفع التخلف عن نفسه،  ويُغيِّر ما  بنفسه  من انحطاط، ويعلم صفات ربِّه من خلال خَلْقه، ولا شكَّ أنَّ ذلك الفعل سوف يستجلب رحمة اللّه له.