صفة كلام الله بين الأزلية و الحدوث

إن صفة كلام الله هي صفة ذاتية من جانب وفعلية من آخر، أما الجانب الذاتي فهي قيامها بالمتكلم من حيث اتصافه بالقدرة على فعل الكلام سواء قام بذلك أم لم يقم، نحو صفة السميع والبصير فسواء أكان هناك أصوات وصور أم لم يكن فالله سميع بصير بنفسه، وذلك كصفة ذاتية له ومن هذا الوجه أخذت صفة الأزلية، أما الجانب الفعلي لصفة الكلام فهي مرتبطة بالفعل وكونها كذلك فقد أخذت حكم الفعل من حيث الحدوث ابتداء نحو صفة الإرادة لله عز وجل فهي صفة قائمة بذات الله كصفة له وبالتالي فهي أزلية. أما توجهها نحو الفعل فلا شك أن ذلك التوجه هو حادث وذلك لتعلقها بالحوادث قال تعالى:

{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } (يس 82).

وهذا النص صريح في تحديد العلاقة بين صفة الإرادة الحادثة من حيث التوجه  .

[ إذا أراد ] وصفة القول [ أن يقول له كن فيكون ] مما يؤكد أن قول الله عز وجل هو عين إرادته الحادثة، وإرادته الحادثة وكلماته هما عين الوجود نفسه [ كن فيكون ] أي كلمات الله هي عين المخلوقات نفسها.

والحادث يعني له بداية ، وكل مخلوق حادث، وليس كل حادث مخلوق، وكلام الله هو من بُعد الأمر وليس من عالم الخلق.

{ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }الأعراف54

وبما أن الآفاق والأنفس هما كلمات الله كان من الطبيعي أن يطلق على القرآن صفة كلام الله كونه صورة لسانية مجعولة عن كلمات الله            [ الآفاق والأنفس ].

ومن هذا الوجه كان لكلام الله بُعدان: بُعد موضوعي متمثل بالآفاق والأنفس( كلمات الله)، وبُعد لساني متمثل بالقرآن قابل للتلاوة والسماع.

إذاً؛ كل المخلوقات في الواقع هي عين كلمة الله عز وجل من حيث أنها وجدت بكلمة [ كن ] في أصلها.

قال تعالى : {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }  (لقمان 27).

يخبر الله عز وجل في هذا النص عن سعة كلماته [ خلقه ] أنه لو أخذنا ما في الأرض سابقاً ولاحقاً واستمراراً من الأشجار وجعلناها أقلاماً تكتب بها المجتمعات الإنسانية بشكل توارثي لهذه العملية الإحصائية واستخدموا بحار الأرض كلها كمداد ومن وراء هذا البحر أبحر لا متناهية لكتابة كلمات الله لنفدت البحار قبل أن تنتهي عملية الإحصاء لكلمات الله وذلك راجع إلى عاملين:

الأول: أن هذه الأقلام والبحار هي نفسها معنية بعملية الإحصاء كونها من كلمات الله فمن الطبيعي أن تنتهي هذه المخلوقات ولم تبلغ إحصاء ذاتها من ذرات وما تحوي بداخلها من عالم لا متناه، فكيف تحصي غيرها من المخلوقات اللا متناهية؟!

الثاني: أن عملية استمرار كلمات الله في الواقع غير متوقفة مما يدل على استحالة إحصاء شيء مستمر لا متناه.

{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } (النحل 8) {وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } (الذاريات 47)

وتعترضنا مسألة إطلاق وصف كلمة الله على السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام رغم أن جميع الناس هم من كلمات الله، فما المبرر لإطلاقها على السيد المسيح عيناً رغم أنه داخل في عموم كلمات الله مع الناس وما هي الميزة له في ذلك؟

إن هذا التخصيص للسيد المسيح بإطلاق عليه كلمة الله عيناً من دون سائر الناس إنما هو راجع لاختلاف إسقاط كلمة الله في الواقع. فخلق الناس كما هو معروف كان ضمن نظام معين خضع للتطور إلى أن وصل إلى عملية التزاوج واللقاح بين الذكر والأنثى لتتم عملية الولادة لإنسان  جديد، وهكذا استمر النوع البشري، ولا شك أن هذا الخلق والنظام بدأ بكلمة (كن) أي بدأ بصورة معينة خضعت لمراحل تطورت عبر الزمان أي استمر مفعول كلمة الله في الوجود وانتقلت من صورة إلى أخرى إلى أن وصلت إلى الصورة البشرية المعروفة وكل ذلك بإذن الله عز وجل، وبالتالي لا يوجد ميزة لإنسان على آخر ليقول عن نفسه: أنا كلمة  الله، لأن جميع الناس داخلين في ذلك.

أما السيد المسيح فقد اختلف في عملية ولادته إلى الحياة الدنيا عن ولادة الناس جميعاً مما أدى إلى تميزه من سائر الناس جميعاً. وذلك متحقق بأن ولادته كانت بتوجه مباشر لإرادة الله عز وجل نحو خلق السيد المسيح ولم يخضع لعملية اللقاح والنكاح كباقي الناس ومن هذا الوجه أطلق عليه وصف (كلمة الله) لتميز وجوده عن وجود سائر كلمات الله عز وجل، وعملية وجوده كانت كمثل عملية وجود الخلق الأول إذ بدأ بكلمة (كن) وكذلك السيد المسيح عليه السلام تم خلقه مباشرة بكلمة (كن) فالخلق الأول للجنس البشري اسمه كلمة الله وكذلك السيد المسيح عليه السلام اسمه كلمة الله.

قال تعالى : {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } (آل عمران 59).

إذاً صفة الكلام من حيث الواقع لها أبعاد:

الأول: صفة لله ذاتية وهي القدرة على فعل الكلام وهي من هذا الوجه أزلية.

الثاني: الصورة اللسانية للقرآن اسمها كلام الله وهي حادثة مجعولة.

الثالث: الصورة الموضوعية للقرآن – آفاق وأنفس – اسمها كلمات الله وهي حادثة كونها مخلوقة وكل مخلوق محدود ضرورة.

وموضوع دراستنا هو علاقة كلام الله بكلمات الله وكلاهما حادث فكلام الله – النص القرآني – هو الصورة اللسانية لكلمات الله – الآفاق والأنفس – والعلاقة بينهما علاقة الأصل بالنسخة عنه.

فكلمات الله قابلة للدراسة والاكتشاف والتسخير لها نتيجة العلم بها وهي تخضع لعملية الرؤية.

أما كلام الله فهو قابل للتلاوة والسماع وهو صورة لسانية عن كلمات الله ولا يمكن أن يدرس أو يفهم إلا من خلال إسقاط كلام الله على كلمات الله التي هي أصل له كونها محل تعلق الخطاب. قال تعالى:

{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } (التوبة6).

أي اتلُ عليه النص القرآني حتى يسمعه وبعد ذلك يحاول أن يراه في الواقع – كلمات الله – من خلال عملية إسقاط الصورة اللسانية          – الكلام – على الصورة الموضوعية – كلمة الله – فيصل إلى أن هذا     – النص القرآني- حق من عند الله الخالق فينقاد لرسالته منهجاً وشريعة.

قال تعالى: {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ } (الأعراف 144).

فيوجد في ما أنزل الله من وحي جانبان:

الأول: جانب رسالي وهو متعلق بالمجتمع الإنساني من حيث المنهج والشريعة :

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } (المائدة 48).

الثاني: جانب موضوعي وهو كلام الله عز وجل متعلق بكلمات الله       – الآفاق والأنفس-.

فلذا لا يصح إطلاق صفة كلام الله على رسالته، والعكس صحيح أيضاً رغم أن كليهما موجودان بصورة لسانية في كتاب الله عز وجل وهو وحي من الخالق المدبر لعباده

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا }

(الكهف1).

ومن خلال ما ذكرنا يجب الانتباه لورود ذكر صياغة الكلمة في القرآن نحو قوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } (الأنعام 115).

فالمقصد بلفظ (كلماته) في النص المذكور هو السنن التي تأخذ مفعولها ومجراها عندما يقوم المجتمع بتعاطي أسبابها، انظر قوله تعالى:

{سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }الأحزاب 62 فسنة الله، وإذن الله، وكلمة الله، ألفاظ تجتمع بدلالات وتختلف بأخرى انظر قوله تعالى:{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً }(الكهف 27).

وقوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } (الشورى 24).

وقوله:  {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } (الأعراف 158).

لاحظ صفة إيمان النبي كيف جاءت على وجهين:

الأول: الإيمان بالله وهذا الإيمان هو أساس الإيمان بالغيب المؤسس على عالم الشهادة.

الثاني: الإيمان بكلمات الله: وهو عالم الشهادة الذي يتمتع بوجود موضوعي قابل للدراسة والتسخير له من جراء هذه الدراسة.

فالنبي يؤمن بالله الخالق المدبر من جراء عالم الشهادة فتأسس عنده عالم الغيب، كما أنه يؤمن بالوجود الموضوعي للآفاق والأنفس فتأسس عنده عالم الشهادة كوجود له صفة الحق المستمدة من الحق، فالعلاقة بين عالم الغيب والشهادة علاقة جدلية، فالأول – الغيب – سبب لوجود الثاني   – الشهادة – والثاني دليل على الأول.

ومن خلال هذا الطرح ظهر بطلان قول من يقول بأزلية القرآن ببعده اللساني – كلام الله – لأن ذلك حادث ومجعول كما هو معلوم ناهيك عن أن اللسان العربي بشري مخلوق خضع للتطور المعرفي وهو حادث وقد نص الخالق على ذلك في كتابه إذ قال: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } (الأنبياء 2).

أما القول بأزلية كلمات الله – الآفاق والأنفس – فهذا قول هراء ومتهافت لا قيمة له من الناحية العلمية.

وكذلك السنن الناظمة للوجود – أم الكتاب – فهي مرتبطة بالخلق الحادث بشكل لازم له ارتباط الكم بالكيف والعكس(1).

أما الآيات المتعلق خطابها بذات الله عز وجل فهي حادثة كنص وأزلية كمضمون نحو  {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ }البقرة 255 .

لذا؛ يجب إرجاع كلام الله ببعديه – الموضوعي والصوتي – إلى مجال الدراسة والتفكر والتدبر للوصول إلى عملية المصداقية بينهما وتبيين ذلك للناس ليعلموا أنه الحق من ربهم فينقادوا لرسالته انقياد المؤمن البصير.

ونكون بذلك البحث قد سددنا الثغرات وأزلنا الإشكالات التراثية التي دخل منها المستشرقون وغيرهم واستغلوها للطعن في مصداقية القرآن ببعده اللساني، ومن هذا الوجه تبرز أهمية فرز التراث الثقافي وعدم سحبه على ما هو عليه إلى واقعنا المعاصر لأنه رأي غير ملزم للمجتمعات اللاحقة، وبالتالي لا يصح عدُّه رأياً يمثل الإسلام وإنما هو رأي يمثل فهم الإسلام لمجتمع معين بزمان ومكان خاص بهم.

فلذا يجب دراسة الإسلام دراسة معاصرة تعتمد على القرآن ببعديه        -الموضوعي واللساني- ودراسة رسالة الله من خلال كتابه ضمن منظور علمي قائم في أساسه على الواقع  كونه محلاً للخطاب والمنفعة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع كتابي الألوهية والحاكمية دراسة علمية من خلال القرآن الكريم  فصل مفهوم الأزلية.

صفة كلام الله

بين

الأزلية والحدوث