اللسان العربي أصل، وأم للألسن كلها

{كَانَ النّاسُ أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبِيّينَ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } (البقرة 213 )

{وَمَا كَانَ النّاسُ إِلاّ أُمّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ } يونس 19 )

الأصل في الوجود الإنساني هو الأمة الواحدة، وهذا يقتضي التقلص في العدد، كلما أوغلنا في القدم، والحد من عملية انتشارهم في الأرض، فهم كانوا يعيشون في بقعة واحدة، ويتكلمون بلسان واحد، وهو اللسان العربي البدائي،وينبغي الانتباه إلى أن اسم اللسان العربي لم يكن قبل نزول القرءان قد أطلق على أي لسان من اللهجات المستخدمة حينئذ، فقد كان اللسان يُنسب للجهة التي تتكلم به، مثل الأكادية،والكنعانية، والآرامية، والعبرية(1)، والفينيقية، وتطورت هذه اللهجات، ووصلت بمجموعها إلى احتضان اللسان الإنساني العلمي، واكتمل بناءه صوتياً ونظاماً، فنزل التنزيل الحكيم به، ووصفه الله باللسان العربي المبين نسبة إلى علميته وإنسانيته وأصالته، لا نسبة إلى قومية أحد قط، ومنذ ذلك الحين صار وصف العربي للسان التنزيل الحكيم فقط، وتساهلاً لمن يستخدم اللسان  العربي، واشتهر ذلك في الثقافة.

لذا؛ ينبغي أن نفرق بين اللسان العربي المبين الذي هو وصف للتنزيل الحكيم، واستخدام الناس للسان العربي بصورة أعجمية قاصرة لتدخل الإنسان فيه صنعة، ولقصوره ومحدوديته في الاستخدام، التي ترتب عليها نفي العلاقة العلمية الفيزيائية بين لفظه، ومحل الخطاب، بخلاف التنزيل الحكيم فقد توافق فيه اللفظ مع محل الخطاب بصورة علمية كونية، فالإنسان كائن من كان يستخدم اللسان العربي بصورة غير عربية مبينة(أعجمية).

وبناء على ذلك ينبغي أن يُتخذ التنزيل الحكيم العربي أصلاً، ومرجعاً، وحكماً، وميزاناً لكل لهجات الناس في أي زمان ومكان.  

وعندما بدأت عملية انتشار الأمة الواحدة وتفرقها بصورة جماعات، تبتعد عن المركز، وكلما ازداد ابتعادهم عن المركز ازداد اختلاف ألسنتهم عن اللسان الأم؛ من حيث طريقة اللفظ، أو تبديل أصوات الأحرف بغيرها، كما هو معلوم، مثل قلب الجيم ياءً، نحو (رجَّال) صارت (ريَّال) أو قلب القاف غيناً، نحو (قادر) صارت (غادر)، أو قلب العين نوناًً، نحو (أعطني) صارت (أنطني)، أو قلب الكاف شيناً؛ إذا أتت في خطاب الأنثى نحو (أبوكِ) تصير (أبوشِ)….الخ.

ونتيجة العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بين الشعوب، والهجرة الجماعية أدى إلى تلاقح اللهجات ومع استمرار الزمن، وعامل تأثير البيئة الجغرافي، والغذائي على الإنسان، بجانب التنشئة الثقافية، تكرست هذه اللهجات في القبائل والشعوب، وشاركت عملية الصنعة والاصطلاح، والعجز عن نطق بعض الأصوات، وحب التميز والاختلاف، أو قطع الصلة بما سبق،وغير ذلك في ظهور لهجات بعيدة، وغريبة عن اللسان الأم، حتى يظن الذي لا يعرف الحقيقة أن هذه اللهجات، ألسنة قائمة بنفسها؛ لا علاقة لها بالأصل العربي(1)، وهذه الأسباب التي أدت إلى اختلاف الألسن بين الشعوب.

{وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لآيات لّلْعَالَمِينَ} (الروم 22 ).

والصواب، أنها لهجات عربية محرفة، ومجعولة من الأصل، ومثلها مثل الثمار والشجرة، فاللسان العربي الأصيل؛ هو الشجرة، واللهجات؛ هي الثمار المطعمة بمختلف الطعوم من حلو ومُرٍّ ولفّان، والتعامل مع الثمرة فقط، يبعدنا عن معرفة الشجرة، غير أن الثمرة لا تملك إمكانية النمو والتكاثر مثل الشجرة، وهكذا اللهجات، فهي ثابتة على ما هي عليه غير قابلة لعملية النمو والتكاثر بصورة طبيعية، وإنما تنمو بصورة اصطلاحية اعتباطية، بينما الشجرة، اللسان الأصيل يملك صفة النمو والتكاثر بصورة طبيعية؛ من خلال نظام الثابت والمتغير، وظهر بعملية الاشتقاق، والتوليد للكلمات من بعضها بصورة منسجمة كل الانسجام مع حركة الكون، ومنظومته الثنائية، والزوجية.

لذا؛ مسألة علمية اللسان، وفيزيائيته لا تنطبق إلا على اللسان الأم؛ لمحافظته على صفته الأصيلة وهذا غير متحقق إلا بالنص الإلهي، بينما اللهجات الأخرى فقدت أصالتها؛ لبعدها عن المركز، وتحريفها؛ بتبديل نطق الكلمات، وتقديمها، وتأخيرها، إضافة للزيادة والنقصان. كل ذلك وغيره سلب من هذه اللهجات الصفة العلمية وصارت أعجمية. ومن ثم؛ فلا تصلح للدراسة العلمية، وينبغي أن تتوجه الدراسة إلى اللسان الأصيل القائم في أساسه على الثنائيات الفطرية، التي نمت وتوسعت، وفق نظام الثابت والمتغير.

وإذا أردنا أن ندرس أي لهجة من الألسن، فينبغي القيام بتحليل الكلمات، وتصفيتها؛ من خلال إزالة الحروف الزائدة في اللفظ، وإرجاع صوت الحرف الذي تبدل إلى أصله، وحذف أصوات أحرف المد ( آ، و، ي ) من الكلمة؛ لأنها ليست أصلاً فيها وإرجاع ترتيب أحرف الكلمة إلى أساسها؛ إذا كانت مقلوبة.

انظر مثلاً إلى كلمة ( أرض ) تحولت إلى ( أرظ ) ثم إلى ( أرث) فالضاد لفظت بصوت الظاء؛ لانتفاء القدرة على لفظ الضاد، ومن أخذ كلمة ( أرظ ) ولم يتمكن من لفظ صوت الظاء، لَفظه ( ثاء )؛ لأن الإنسان الذي يفقد القدرة على لفظ صوت معين، يقوم بصورة فطرية باستبداله بأقرب صوت له، من أقرب مخرج له، من النظام الصوتي، فأقرب صوت إلى الضاد؛ من حيث المخرج هو صوت الظاء، وأقرب صوت إلى الظاء، من حيث المخرج هو صوت الثاء،  وهكذا يتم التعويض والتبديل، وتظهر اللهجات مع تلك العملية، وأكثر ما تظهر هذه العملية، في بدء نطق الأطفال؛ من حيث التقديم والتأخير للأحرف، والتعويض، والإبدال للأصوات التي لم يتمكنوا من لفظها بعد.

وأصوات المد التي تُسمى أحرف العلة، أو الأحرف الصوتية الساكنة ( آ، و، ي ) تدل على :

آ   صوت يدل على إثارة، وامتداد زمكاني.

و  صوت يدل على ضم ممتد مكانياً.

ي – صوت يدل على جهد خفيف ممتد زمانياً.

وهذه الأصوات ليست من أصل الكلمات، وإنما تدخل إليها؛ لتعطيها بُعداً معيناً، حسب دلالة صوت الحرف الذي دخل. انظر على سبيل المثال إلى هذه الكلمات :

كتب : كاتب، مكتوب، كتيبة.

حصد : حاصد، محصود، حصيدة.

خلق : خالق، مخلوق، خليقة.

قتل : قاتل، مقتول، قتيلة.

ضرب : ضارب، مضروب، ضريبة.

فَيُعرف أصل دلالة الكلمة؛ من خلال تجريدها من أحرف المد، والمعنى الذي نصل إليه يكون هو المعنى الإمام، أو المفهوم الذي ينبغي تحققه، واستمراره في كل الدلالات  مع مراعاة الأحرف الزائدة، والانتباه إلى دلالتها؛ لأنها تضيف إلى المعنى الإمام صورة جديدة، فكلمة (كتب) تدل على ضغط خفيف ودفع منته بجمع مستقر، وعندما أضفنا إليها حرف   ( آ ) صارت (كاتب) اسم فاعل يدل على من اتصف بفعل (كتب)، وكذلك (مكتوب) اسم مفعول يدل على الشيء الذي تم فيه الجمع، وكلمة ( كتيبة ) تدل على جماعة تحققت فيها صفة معينة، اجتمعوا عليها.

لذا؛ ينبغي الانتباه إلى المعنى الإمام  للكلمة؛ من خلال تجريد الكلمة من أحرف المد،  الأحرف الزائدة، وتثبيت المعنى الإمام، ومن ثم، إضافة حرف المد، والأحرف الأخرى لمعرفة توجه المعنى الإمام في الواقع؛ كيف حصل، وما المقصد بحرف المد، والأحرف الأخرى في دخولها على المعنى الإمام.

انظر إلى كلمة ( مكتوب ) أصلها كلمة ( كتب ) التي تدل على مجرد تجمع الشيء المتجانس المنتهي بتوقف، دخل عليها حرف ( م ) في بدايتها؛ ليعطيها دلالة الجمع المتصل،  ودخل في وسطها حرف ( و) ليعطيها دلالة المد المنتهي بضم مكاني، وباجتماع هذه الدلالات لأصوات الأحرف ظهرت دلالة كلمة ( مكتوب ) في الواقع، مع المحافظة على دلالة المعنى الإمام، وكذلك كلمة ( مكتب ) اسم مكان، وكلمة ( تكاتبا ) تدل على المشاركة في الفعل.

إن تجريد الكلمة من أحرف المد، والأحرف الزائدة، وترتيبها إن كانت مقلوبة، يوصلنا إلى معرفة كيفية تداخل الكلمات العربية، وانتقالها من أصالتها إلى اللهجات الأخرى، مع مراعاة طريقة لفظ الأصوات في الشعوب الأخرى، وعملية التقديم، والتأخير للأحرف أثناء اللفظ بها؛ لأن من المعلوم أن الناس يتأثرون بالوسط الجغرافي، والثقافي، والغذائي في إمكانيتهم اللفظية للأصوات؛ وهذا سبب غياب بعض الأصوات في لهجات، ووجوده في لهجات أخرى، غير طريقة لفظ الصوت ذاته، مع تميز اللسان العربي الأصيل، ومحافظته على النطق بصوت الضاد والظاء مثلاً؛ حتى صار اللسان العربي يسمى لسان الضاد.

والذي حافظ على أصالة اللسان العربي، من أن ينقرض، أو يُحرَّف، هو بقاء مجموعة من الأقوام يعيشون في المركز، تمسكوا بأصالة لسانهم، وحافظوا عليه، من خلال مطابقة لفظهم لمحله من الخطاب، بصورة حالية، أو وظيفية، بصورة نسبية، منتشرة بينهم جميعاً، وهذا من أحد أسباب اختيارهم؛ لأن يكونوا محلاً لنزول التنزيل الحكيم عليهم إضافة إلى أنهم سكان أم القرى، وعندما نزل ثبَّت هذا المقياس، والميزان العربي؛ باستخدام اللسان العربي في خطابه، و حُفظا كليهما – معاً -، ليصيرا المرجع، والإمام في اللسان العربي، واستخدَم التنزيل الحكيم كل الأحرف العربية في نصه عموماً، وجمعها في نصين، الأول {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } آل عمران آية(154).

والثاني هو {مّحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّآءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىَ عَلَىَ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ مِنْهُم مّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الفتح آية 29).

    لذا؛ حافظ اللسان العربي القرآني على العلاقة المنطقية بين اللفظ، ومحله من الواقع، فاللسان العربي لسان حيوي، بخلاف الألسن الأعجمية؛ فهي اعتباطية اصطلاحية، مبتورة من أصولها العربية الفطرية، فهي ألسن ميتة.

(1) هذا إن صح وجود اللسان العبري ! وهو على الغالب صفة للهجة الكنعانية القديمة لاعلاقة لها باللغة العبرية الحالية.

(1) وهذا رد على من رفض أن يكون اللسان العربي أصل لكل اللهجات بحجة أن لو كان ذلك صواباً للزم أن تكون تلك الشعوب عربية، أو العرب قد احتلوها في زمن معين!، وضرب مثلاً اليونان، ونفى عنهم الصفة العربية كشعب، ونفى الاحتلال لهم من قبل العرب،وبالتالي فكل قوم لهم لهجة خاصة بهم!.