مفهوم قاعدة النفع و الضر والتعليل للأحكام الشرعية
يقول بعضهم مستغلاً قاعدة النفع و الضر والتعليل لأحكام الله : إن الصلاة التعبدية والصيام والحج أفعال غير معللة ولا تنفع وغالباً هي تضر ، وهي عبادة لغير الله ،وهذا يدل على أنها ليس من حكم الله ولا دينه لانتفاء الحكمة والنفع منها، وهي من افتراء الكهنوت ودسهم في دين الله، وهذا يعني أنها أفعال شيطانية ضمن أحكام رحمانية، ومن يريد إثباتها فعليه أن يظهر نفع هذه السلوكيات و الطقوس للناس.
– لاشك قاعدة النفع و الضر يقوم عليها التشريع الإلهي ، ويقوم عليها الفكر ويستخدمها في الحكم على الأمور، فمثلاً عندما كان يعبد الناس الأصنام كان النبي يستخدم قاعدة النفع والضر في الحكم على بطلان هذه العبادة ويعرض عليهم السؤال ليفكروا بهذه النقطة والزاوية ليفهموا الفكرة ويحكموا عليها {قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ }الأنعام71
لذلك ؛ينبغي الانتباه إلى نقطة مهمة جداً ألا وهي أن المشرع للناس الذي ينبغي أن يكون محل ثقة علمية وأخلاقية من قبلهم عندما يشرع ينطلق من المصلحة العامة للناس ويتوخى النفع لهم ويجتنب الضرر والهلاك والفساد والعبث، ويضع قوانين تتعلق بالوجوب، وأخرى تتعلق بالمنع والحظر، وأخرى تتعلق بأمور إدارية تنظيميه، وأخرى بالعقوبات ليحمي المجتمع عموماً ويمنع الفساد وهلاك المجتمع ويحافظ على نهضته وتطوره ، ولا يشذ أي تشريع عن هذا ، فلاشك أن المشرع سواء أكان واحداً أم لجنة فهي مؤهلة لذلك و تتمتع برؤية كلية شمولية مقصدية ، وهذه الرؤية غير متوفرة بكل أفراد المجتمع، ومن الطبيعي أن لايعلموا مقصد كل تشريع جزئي ، ولا يحق لهم رفضه لنفي علمهم بمقصده، فالأمر ليس لهم، وعليهم أن يمتثلوا طاعة للقانون طالما هم مواطنون في هذا المجتمع ويخضعون لنظامه ويحملون التابعية له، وهذا لا يمنع أن يقوم المواطن بدراسة القانون ومحاولة تعليل كل حكم ومعرفة مقصده.
فالخالق الحكيم العليم {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }الملك14، لاشك هو محل ثقة علمية وخبرة وحيادية في التشريع من قبل المؤمنين به، وأفعاله كلها معللة حُكماً ولو لم نعلمها واقعاً، ويعتمد في تشريعه على قاعدة النفع والضر للناس عموماً فتشريعه إنساني وليس قومياً ، وهذا يقتضي من المؤمنين به الطاعة و الخضوع لما وضع من تشريع ثبت لديهم بالبرهان أنه من الله العليم الحكيم، وينفذون ذلك ويدرسون مقاصد هذا التشريع لمحاولة العلم بعلله وفائدته أو ضره ، ونفي العلم بذلك بداية ليس مبرراً لنفي الطاعة والخضوع له، هذا الموقف هو موقف المؤمن العاقل الحر، أما أن يأتي أحدهم ويقول طالما لا أعرف علل أو مقاصد أو نفع ذلك التشريع فأنا لن أقبل به، فهذا الموقف مرفوض ومردود على صاحبه وذلك لأن الإنسان كفرد غير مؤهل للعلم بكل شيء أو فهم كل ما يريد أن يطبقه ويتعاطاه وإلا بقي جامداً في حياته لا يطبق شيئاً بناء على ما ألزم نفسه به، فهو لا يعرف بنفسه فوائد الأدوية أو صحة العمليات الجراحية أو نفع كل ما يتناوله من الأغذية، وغير ذلك من الأشياء التي يتعامل معها بناء على الثقة والظن الغالب، فما أكثر الأشياء أو الأفعال بعد فترة من الزمن يظهر أنها مضرة وفاسدة ويقوم العلم بالتعديل لها أو إلغائها ، و الإنسان الفرد لا يملك إلا أن يصمت ويرضخ للعلم وتعديله.
بينما ما ثبت أنه من الله فلا شك بأنه صدر عن علم وحكمة وخبرة ، ومن هذا الوجه كان له صفة الثبات و الدوام، ويتعامل معه المؤمن بثقة نفسية وعلمية بداية ويطيع الأمر وهو مطمئن إلى أنه يقوم على النفع له وتجنيبه الضرر والفساد والأذى، وما وضعه الله إلاَّ لمصلحته، ويرى ذلك في نفسه بنفي الضرر عن الفعل هذا لأن حصول الضرر ينفي مقصد المشرع وبالتالي انتفى التشريع ، أما نفي الضرر وعدم تحقق الفائدة حالاً فهذا لا ينفي مقصد المشرع ولا ينفي التشريع بداية ولابد من دراسة لمعرفة الفائدة والمصلحة للناس.
فالثقة بالتشريع نتجت عن الثقة بعلم وحكمة وخبرة وحيادية المشرع ، وهذا لا ينفي الدراسة للشرع لمعرفة مقاصده ودوافعه وعلله، وهذا معروف في الدراسات باسم أصول الفقه والدستور والتشريع.
إذاً؛ موضوع النقاش في مسألتنا ينبغي أن يحصر هل هذا من أمر الله، فسمعاً وطاعة بداية ، وإن كان ليس من أمر الله، فلا سمع له ولا طاعة بداية ، ولمعرفة هذا لا يوجد إلا مصدر واحد له وهو القرءان وقد نزل بلسان عربي مبين وله منهج في دراسته وتدبره موجود في داخله وليس خارجه، والدراسة لا تكون من خلال الشبهات وجعلها مصدر أو سبب لنفي شيء، الدراسة تكون من المصدر الديني القرءان وإثبات من خلاله الأمر أو نفيه ، وليس بالضرورة أن نصل لجواب عن كل ما يخطر ببال واحد قاعد يفكر بالشبهات فقط ويستنبطها استنباطاً ويبحث عنها بحثاً وكل ذلك ليضع العصي بالعجلة ويشكك الناس بالفكرة ولايوجد عنده إلا كلمة و واحدة يرددها: لماذا هكذا ولم يكن هكذا، ويستمر طوال عمره هكذا ، ويظن أن هذا علم وفكر وتدبر وفهم وذكاء وحرية ، ويرفض فعل أي شيء ويقعد على جهله وخيبته .
أما القول إن الحج هو عبادة للكعبة والحجر فهذا قول متهافت جداً ويرد عليه أقل المسلمين علماً ومعرفة ، فلا يوجد مسلم يعبد الكعبة مهما نظر لها بقداسة وتعظيم فهي في النهاية في نفسه يعلم أنها حجر لا تنفع ولا تضر ولا يتوجه بالعبادة لذاتها ، وإنما يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك، لك الحمد والنعمة والملك، لا شريك لك لبيك، ويدعو الله ويرجوه ، فهل هذا مثل عبادة الأصنام يا عقلاء ؟ والتوجه للكعبة في الصلاة والحج هي أمر اعتباري رغم وجود العلاقة الفيزيائية الكونية في هذا السلوك يعلمه من علم ويجهله هؤلاء أصحاب الشبهات
والصلاة الطقوسية من الصلة بخالق الوجود وهي مجرد دعاء وأذكار وتلاوة من القرءان وفق حركات معينة بوقت محدد متعلقة بمضمون ما يقول المصلي ويجسده في حركاته ، فهل الأذكار والأدعية وتلاوة القرءان عبادة لغير الله أو هي غير مشروعة بعمومها وتفاصليها أو مخالفة لأي مفهوم قرءاني ؟ ناهيك عن وجوب الصلاة في القرءان بصرف النظر عن الشبهات التي يعرضها زيد وعبيد، وتوسيع مفهوم الصلاة ليشمل الصلاة الاجتماعية وهي الركن الأساسي ليس مبرراً لنفي الصلاة الطقوسية ، كما أن التطبيق السيئ والخطأ لا ينفي مشروعية الأمر أو فائدته في حال طبق بشكل جيد وصواب.
فالشبهات لا تنقض ما هو ثابت، و تبقى شبهات ذهنية لاقيمة لها علمياً، والمؤمن يسمع ويطيع ويدرس ويتدبر ، وعدم علمه بمقصد شيء لا يجعله مبرراً لرفض أمر الله وتشريعه، ويصير يتفلسف: لماذا هذه الحركة أو القول أو الفعل أو التحريم أو الوجوب؟ هذا لم يعجبني ! ولم أقتنع به! وما هي فائدته؟ أخبروني أولاً حتى أطبقه ؟ وإن لم تعرفوا فائدته فهذا يدل على أنه كذب وضلال وكلام فارغ !! وكأن العلم وصل للسقف وأحاط بكل شيء علما.
هذا ليس تصرف المؤمن وإنما تصرف العابث المهمل ، المؤمن يسمع ويطيع ويدرس ويتدبر ولا يرفض أمر الله بوساوس شيطانية.
اضف تعليقا