الفطرة
قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } (الرّوم 30).
وقال: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }(1) (النّحل 78).
الفطرة: هي أصل ابتداء فعل الشيء، واستمراره على ما هو عليه (الشيفرة الجينية).
فعندما نقول: إنَّ النّاس على الفطرة، نقصد بقولنا، أن النّاس منسجمون ومتكاملون في حركتهم مع الوُجُود الحق، كونهم جزءاً من هذا النّظام الكوني، ويقومون بإشباع غرائزهم، وحاجاتهم وفق نظام روحي منسجم مع نفسهم وجسمهم.
فالفطرة عند الإنسان، هي الدّافع والمحرك الدّاخلي؛ لإشباع الغرائز والحاجات، بنوعيها البشري والنّفسي؛ بما يحقق له الانسجام والتّوازن والتّكامل مع الوُجُود الحق.
فغريزة التّعلم تدفع الإنسان إلى العلم فطرة، ويكون ذلك من خلال العملية الحنيفية، التي هي أساس في التّعلم، لأن انتفاء هذه العملية ينفي التّعلم، كون الحنيفية هي الميل المستمر نحو الحق، وهذا يقتضي وُجُود محور ثابت يمثل الحقيقة، وآخر متغير يمثل النّسبية، وانتفاء أحد المحاور في حركة الإنسان ينتج عنه انتفاء الحنيفية، ويترتب على ذلك الجمود والثّبات على التّخلف، وتتشوه الفطرة، أي أن من يتعامل مع كل شيء من منطلق المتغيرات؛ فإنه يثبت أيضاً على ما هو عليه من جهل وتخلف؛ لانتفاء حصوله على علم ثابت، يبني صرحه العلمي عليه، ومن ثم َّ، فليس عنده شيء، يعتمد عليه في حياته، أو ينقله للأجيال اللاحقة.
فكلا الأمرين منفرد، الثّابت، أو المتغير نتيجتهما واحدة، الثّبات على الجهل والتّخلف والوقوف عند نقطة الصّفر؛ بمعنى آخر: الهلاك والفناء، لذلك كان من الفطرة التي فطر الله النّاس عليها، حركتهم في رحلة العلم بصُورة حنيفية (الثّابت والمتغير) وذلك للانسجام والتكامل مع حركة الوُجُود الموضوعي، القائم على نظام الحنيفية.
لذا، ينبغي على الإنسان أن يستمر في تحديث معلوماته ومفاهيمه، بما ينسجم، ويتكامل مع الوُجُود الموضوعي، الذي يتم اكتشافه وتسخيره تباعاً، وكل ذلك على منهج النّبي إبراهيم الحنيف: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } (الأنعام 79)، وهذا دعاء نفتتح به صلاتنا كل يوم خمس مرات !.
فالتّعامل مع الوُجُود الموضوعي، بأحد المحورين، هو الشّرك المقصود بقول النّبي إبراهيم، إمام النّاس u لأن وُجُود أحد المحورين دون الآخر، يجعل الإنسان يؤمن بصفة الثّبات، ومن ثمَّ، يترتب على ذلك المفهوم، إنكار اليوم الآخر، والاعتقاد بديمومة الحياة إلى مالا نهاية {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ } ( الجاثية 24 ).
وإن كان المفهوم كذلك، فقد تفرغت القيم والمبادئ من محتواها، وهذا تصادم حقيقي ومُباشر مع فطرة الإنسان، والوُجُود الموضوعي.
والغرائز في الإنسان مكملة بعضها بعضاً، بصُورة منسجمة ومتناغمة في صُورتها الكُلِّيَّة، لذلك كان التّدين فطرة، والابتعاد عن الدِّين مخالف للفطرة، كما أن غريزة الاجتماع والتّنوع، كلاهما أمر فطري، فالرّهبنة والانطواء والانعزال عن الحياة، وعدم الانتماء والولاء، هو أمر مخالف للفطرة، كما أن استمرار حياة الإنسان على نمط واحد في الطّعام أو اللّباس أو طبيعة الحياة ككل، أمر مخالف للفطرة، فالتّجديد والتّحديث والتّغيير هو أمر فطري في الإنسان.
هذه هي الفطرة: حركة الإنسان لإشباع غرائزه وحاجاته البشرية، والنّفسية، بصُورة منسجمة ومتكاملة مع حركة الوُجُود الحق، وأي تبديل أو تحوير أو إلغاء لأمر فطري، يترتب عليه فقدان التّوازن بين الإنسان والوُجُود الحق، الذي ينعكس على الإنسان، ويصيبه بحالة القلق والاضطراب، والمرض، وينتج عن ذلك العُصَابات اللامتناهية، التي تصيب النّفس وتجعلها تعيش في حالة الضّنك.
{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } (طه 124).
قال النّبي الأعظم: ( كل مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه ).
لأنَّ الفطرة هي الاستعداد، والقابلية للانسجام، والتّكامل، مع الوُجُود الحق، ومن هذا الوجه كان الإسلام(1) دين الفطرة، بمعنى أنَّ الإنسان يحقق الانسجام والتّكامل مع الإسلام بصُورة متطابقة، كونهما قائمين على نظام واحد، الثّابت والمتغير (الحنيفية).
فكان الإيمان بالله الخالق، إيمان فطري في الإنسان، بمعنى أن ذلك الإيمان هو دافع نفسي وروحي، للوُصُول إلى الصّمد، والاتِّصال به، واللّجوء إليه، فيقوم العقل بالبرهنة على هذه العلاقة التّكاملية، ويثبت صواب حركة النّفس نحو بارئها، وبذلك يظهر الإيمان العقلي، إضافة للإيمان الفطري، فإن أخطأ العقل في تبيين هذه العلاقة، ووصل إلى ما يخالف الفطرة؛ فسرعان ما يظهر ذلك في نفس الإنسان، من قلق واضطراب وفقدان التّوازن، وعدم الانسجام ما بين فطرته، وما وصل إليه العقل، وينعكس ذلك على سُلُوكه في الحياة الاجتماعية؛ لأنَّ الأفكار والمفاهيم، ينبغي أن يكون لها مصداقية في الواقع، والفطرة هي أساس سابق عن الأفكار، والأفكار قائمة على الفطرة ولاحقة في وُجُودها للفطرة.
فالحكم حين الاختلاف ما بين الفطرة والعقل، إنَّما هو للفطرة، وتُصوب الدّراسة بما ينسجم مع الفطرة؛ لأنَّ الفطرة هي الأصل، الذي ينبغي على العقل أن يقوم بمعرفة العلاقة ما بين الفطرة والواقع، ويبرهن عليها دراسة وعلماً.
إن إنكار الفطرة، أو أمر منها في الإنسان، هو بمثابة إنكار وُجُود المحور الثّابت في الواقع؛ لأنَّ الإنسان جزءٌ لا يتجزأ من النّظام الكلي للواقع، وما ينطبق على الواقع ينطبق على الإنسان ضرورة، وحيث أن الواقع، قائم على محور الثّابت والمتغير من الذّرة إلى المجرة؛ فالإنسان بداهة ينبغي أن يكون في داخله محور ثابت ابتداء، والحركة في المحور المتغير ـ حسب محوره الدّاخلي الثّابت ـ متروكة لإرادة الإنسان وعقله، الذي هو الفطرة.
وهذا الكلام، يوصلنا إلى أنَّ الإنسان ـ في فطرته ـ يميل نحو الصّلاح والإيجابية في حياته، إن تُرك دون مؤثرات خارجية سلبية، والفساد والشّر، إنَّما هما أمران اكتسابيان من المجتمع، فليس هناك ما يسمى مجرم بالفطرة، وإنَّما الإنسان ابن بيئته، ومن ثمَّ، فالمجتمع يتحمل الوزر الأكبر، في إفساد الفرد مع عدم نفي المسؤولية عنه؛ لأنَّ الإنسان في سن الرّشد، يكيف سُلُوكه حسب مفاهيمه، فهو ابن مفاهيمه وشعوره؛ لذلك ينبغي على المجتمع ـ كمُؤسَّسات سلطوية وسياسية وثقافية وتعليمية ودينية وفنية… الخ ـ من الاهتمام بصنع الإنسان الصّالح الإيجابي؛ وذلك بوضع مناهج تعليمية وثقافية، تُرسخ في الإنسان مفاهيم الخير والعدل والجمال، مستخدمة كل الوسائل الإعلامية، وتوجيه الفن ليرسخ هذه المفاهيم، ويهذب الإنسان؛ ليحافظ على فطرته السّليمة، ويحقق الانسجام والتّكامل، أثناء حركته في الحياة الاجتماعية.
وهذه الأمور، لا يمكن أن تتحقق في جو الاستبداد والاستعباد؛ لذلك أول أمر، ينبغي فعله هو محاربة ثقافة الاستبداد، وخلق مجتمع إنساني يقوم على نظام المُؤسَّسات الاجتماعية، التي ينبغي أن تغطي كل احتياجات الإنسان والمجتمع، نحو مُؤسَّسة المحافظة على الفطرة، ومُؤسَّسة المحافظة على العقل والتّفكير، ومُؤسَّسة المحافظة على النّفس، على غرار مُؤسَّسة حماية البيئة، ومُؤسَّسة حماية المستهلك.
والذي ينبغي أن يتحقق أيضاً، هو مُؤسَّسة حماية الطّالب، لأن طالب العلم – في معظم المجتمعات العربية ‑ هو أشبه ما يكون بمعتقل أو سجين، في ما يسمى بمدارس وجامعات ومعاهد، يتعرض فيها لكل أنواع العنف والقهر النّفسي، ولا تُوجد جهة يرجع إليها؛ ليحتمي بها وتحفظ حُقُوقه، فكيف نتصُور سُلُوك هذا الطّالب، بعد تخرجه من المعتقل التدريسي !.
إن العلاقة ما بين الفطرة والواقع، أمر غائب عن أكثر النّاس؛ ما يُؤدِّي إلى اضطرابهم، وقلقهم ومعيشتهم الضّنك، ومن هذا الوجه؛ تظهر أهمية دور العلماء والمفكرين والمثقفين، في تبيين الفطرة للنّاس، ومساعدتهم في فهم أنفسهم، وعلاقتهم بالواقع؛ ليصلوا إلى الانسجام والتّكامل، ما بين فطرتهم والواقع، ويحصلوا على التّوازن النّفسي، ويعيشوا في سعادة، ووئام، ومحبة، وسلام، في مداراتهم المتغيرة وَفق المحور المركزي الثّابت.
إذاً، الإنسان الفطري، هو الإنسان الذي يقوم بإشباع غرائزه، وحاجاته البشرية والنّفسية، بنظام روحي (العلم، وشرع الله) حسب أرضيته المعرفية.
أما الإنسان الذي لا يُشبع غريزة التّعلم، أو التّدين أو غيرها، ويظل ينمو في الحياة فيزيولوجياً، إنَّما هو إنسان بدائي متوحش، وليس فطرياً؛ لأنَّ التّعلم فطرة، وعدم التّعلم تخلف، ونكوص إلى الحياة البشرية البدائية، وكذا التّدين فطرة، والإنسان الذي يعيش دون دين، هو إنسان في الصّورة فقط، وتنتفي عنه صفة الفطرة، ويوصف بالإنسان البدائي (البشر)، فالتصديق بوجود خالق للكون فطرة، والإيمان به حرية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفي العلم لايعني نفي المعرفة، فيمكن للجنين الإنساني أن يتلقى بعض المعارف بعد أن يتم نفخ النفس في جسمه، وهذا يكون في الأسبوع الثامن تقريباً، فيتعرف على صوت أمه ودقات قلبها، ويميز بين الأصوات الخارجية، ويتأثر بها، لذا؛ ينصح الأطباء الأم في هذه المرحلة أن تكون هادئة، وتعيش في بيئة هادئة ، وتُسمع جنينها الموسيقى وتتكلم معه…ليكسب التوازن النفسي قبل ولادته.
(1) الإسلام هو: دين الله U، الذي بدأ نزوله مُنذ أوَّل نبي (نوح) وتم إكماله تاريخياً وجُمع بالقرآن، الذي احتوى كل ما يصلح ممَّا سبق نزوله.
اضف تعليقا