نشأة اللّسان العربي

إن موضوع نشأة اللّسان، من المواضيع التي تناولها الباحثون -قديماً وحديثاً -، وأسهبوا فيها كثيراً، وأسفر عملهم ذاك عن بضعة آراء، من أهمها :
1- التّواضع والاصطلاح(الاعتباط)، في تسمية الأشياء، دون أي علاقة منطقية بين الشّيء واسمه؛ ويكون من خلال اجتماع حكماء القوم، واتِّفاقهم على اسم معين يطلق على الشّيء.
2- اللّسان وحي من الله، وقد عُلِّم الإنسان الأول أسماء كل شيء (توقيف).
3- نشأ اللّسان نتيجة تفاعل الإنسان مع الأحداث والظواهر فطرة فقام بالتصويت، وضرورة تواصله مع بني جنسه، وحاجاته لتخزين المعلومات، فوُلِِدَ اللّسان بصُورة تراكمية، خاضعة لعامل الزّمكان، وحاجة الإنسان.
لنناقش الآراء الثّلاثة :
الرّأي الأول : إن عملية الاجتماع لاختيار اسم لشيء معين بصورة اعتباطية، تدل على وُجُود كلمات معلومة بالنّسبة للقوم، أي لديهم لسان يستخدمونه، وبحثنا هو عن نشأة اللّسان، وليس عن استخدامه في تسمية الأشياء، غير أن أساس اللّسان هو أفعال، وليس أسماء، فهو رأي ضعيف جدّاً، ولأنه يقول باعتباطية نشأة اللّسان! فليس هو برأي، حقيقةً (1)، رغم أن الجرجاني يقول به، واتبعه دي سوسير أحد أكبر علماء اللسانيات في العالم المعاصر!.
الرّأي الثّاني : انطلق القائلون به من مسألتين :
المسألة الأولى: وُجُود نص قرآني يقول: {وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـَؤُلآءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة 31)فَعدُّوا هذا النّص دليلاً على أنَّ اللّسان وحي ٌمن الله إلى الإنسان الأول(1)، وهذا الأمر في حقيقته يقتضي أن كلمات اللّسان كلها قد علمها، واستخدمها الإنسان الأول !، أي أنَّ الإنسان الأول، كان سابقاً في مفرداته اللفظية على الواقع الذي يعيشه، فهو يعرف أسماء كل ما كان وسيكون؛ دون وُجُود هذه الأشياء في الواقع، ودون وُجُود لدلالتها في ذهنه ضرورة، وإلا قام بتنفيذها، وإخراجها إلى أرض الواقع، واستفاد منها، ويقتضي أيضاً، قيام الإنسان الأول الذي أُوحيت إليه الأسماء، بتلقينها ألفاظاً دون معانٍ لأولاده، وهكذا تَسْتَمِرُّ عملية التّلقين، من جيل إلى آخر. أمَّا دلالة{وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا }، على أنَّ اللسان وحي من السّماء؛ فهُو استدلال باطل، وواضح أنَّ الفكرة موجودة مُسبقاً، واستُخدم النَّصُّ؛ لتقوية الرّأي وإثباته، وإن لم تحُسْم المسألة بذلك، ولكنْ؛ يكفي أنَّه نجح في عمليَّة دسِّ هذا الرّأي في الثّقافة، وساهم في تقوية ودَعْم الاستبداد، والاستعباد، بشُعُور منه أو دون شعور. فَكَمْ من أفكار باطلة – ولكنَّها فاعلة نشطة في المُجتمع – تُحرِّك وتقود المُجتمع !، وكمْ من أفكار صائبة – لكنَّها كَامنة نائمة مُبعَدَة عن السّاحة الاجتماعيَّة – ولا تُحرِّك ساكناً. ففاعليَّة الفكرة، ونشاطها في المُجتمع ليس بُرهاناً على صواب الفكرة أو خطئها، وينبغي البحث عن الجهة التي تقوم بتفعيل الفكر الاستبدادي، والاستعبادي والاعتباطي، التي تقوم بقتل الفكر الحُرِّ الصّائب أو تنويمه، وذلك من خلال الصّراع الفكري والوعي الثّقافي. والذي يبدو لي من فَهْم النَّصِّ {وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا }، كَفَهْم مُنسجم مع التنزيل الحكيم والواقع، ومقبول للعقل والعلم هُو: إنَّ كَلمة آدم في النَّصِّ المذكور لا تعني إنساناً بعينه، وإنَّما هي دلالة عن الجنس الآدمي كُلِّه، مُنذُ بداية ظُهُور الإنسان الواعي إلى آخر الزّمن، فهي مُتناولة كُلّ المُجتمعات الإنسانيَّة سابقاً ولاحقاً، والتّعليم لم يكن من اللّه للإنسان الفرد -بشكل مُباشر – كأُستاذ وتلميذ، وإنَّما كان من خلال مَنْح هذا الإنسان -كجنس- الكائن الاجتماعي مجموعةََ أُمُور؛ وهي:العقل،والنظام الصوتي، والحُرِّيَّة، والتّمكين في الأرض بمقام الخلافة(التسخير)، وأداة التعليم هي القلم التي تدل على تهذيب وجدولة الأفكار والمعلومات وترتيبها وتصنيفها وفق نوعها وأدلتها وحفظها، انظر إلى قوله تعالى:{الّذي عَلّمَ بِالْقَلَمِ* عَلّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} 4 -5 العلق، ولم يذكر النص كلمة (اللسان)، وإنما ذَكر كلمة (الأسماء) وهي جمع اسم، من وَسم التي تدل على العلامة والتمييز وما شابه ذلك، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ }الحجر75، بمعنى الناظرين والباحثين والدارسين والمستقرئين للآيات .فهذه الأُمُور مُجتمعة، هي الأساس للتَّعلُّم، وبفقدانها تنتفي عن الإنسان صفة التَّعلُّم، ومن هذا الوجه؛ صحَّ القول : {وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا }.وقوله: {الّذي عَلّمَ بِالْقَلَمِ}وآدم لاشك أنه من الجنس الإنساني، ويتضمنه الخطاب ضرورة.كقولنا: ( علَّمَ الأبُ أولادَهُ الطِّبَّ )، والمقصد أنَّه هيَّأ لهم الظُّرُوف، وذلَّل العقبات، ولم يُباشر – بنفسه – وظيفةَ التّعليم لهم.فالفاعل في عمليَّة التّعليم اثنان : الأوَّل : الفاعل هُو اللّه ، وفعْلُهُ كان في مَنْح الإنسان إمكانيَّة التَّعلُّم بالقلم. الثّاني: الفاعل هُو الإنسان ـ كجنس ـ عندما قام باستخدام منْحَة اللّه له في التَّعلُّم بالقلم. ورحلة تعلُّم وظائف الأشياء، وخصائصها، وتوظيفها، وتسخيرها؛ مازالت قائمة في بني آدم، والسُّؤال للملائكة عن هذه الخصائص، والأشياء التي وصل إليها الإنسان، مازال ـ أيضاً ـ قائماً، وجواب الملائكة بالنّفي مُستمرٌّ {قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاّ مَا عَلّمْتَنَآ إِنّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} ( البقرة (32، ونفي علم الملائكة بذلك العلم الإنساني، هُو شيء طبيعي؛ لافتقاد الملائكة لمنْحَة اللّـه، التي هي الحُرِّيَّة، والخلافة في الأرض، والتقليم للمعلومات، فكان عدم علْمهم بخصائص الأشياء أمراً لازماً لهم، فالملائكة لا تستطيع أنْ تخترع عُود ثقاب، و ليس هذا إنقاصاً من قَدْرهم، بل لعدم حاجتهم إليه في حياتهم العمليَّة، ولنفي عنهم صفة النمو والتطور، والحاجة أُمُّ الاختراع؛ فصفة الحاجة والنمو عند الإنسان، هي الأساس في عمليَّة الابتكار والإبداع والتَّطوُّر. وعمليَّة الإنباء من بني آدم لخصائص الأشياء، ووظائفها مُستمرَّة من خلال الدّراسة والكَشْف، والتّسخير لها على أرض الواقع المُشاهَد للملائكة، والملائكة تنظر بعَجَب من هذا الجنس الآدمي الضّعيف والصّغير جسماً، والكبير عقلاً وعلماً، فقد استطاع أنْ يغوص في أعماق البحار، ويُحلِّق في السماء، واستطاع أنْ يتعامل مع الذَّرَّة كما يتعامل مع الشّمس، يا له من مخلوق عظيم يتقدَّم، ويتطوَّر مع الزّمن، ويتعلَّم بالقلم خصائص الأشياء التي لا تعرفها الملائكة نفسها، فَأَمَرَهَا اللّه أنْ تسجد لهذا الجنس الآدمي، سُجُود تحيَّة، وتعظيم، وإكبار، وتأييد وتسخير لما تحت تصرفهم، وليس سُجُودَ جبهة وعبادة، وهذا السُّجُود مُستمرٌّ -من قِبَل الملائكة- ما دام الإنسان مُستمراً في رحلة التَّعلُّم بالقلم، واكتشاف قوانين الكون، وإنباء الملائكة بأشياء لا تعرفها. وهذا التّأويل ضروري؛ لانسجام النَّصِّ مع الواقع المُشاهَد، كون الواقع أساس، وسابق في الوُجُود، والنَّصُّ لاحق، وخبر عن الواقع، ولابُدَّ لهذا الخبر من مصداقيَّة في الواقع. وعلى أضعف احتمال؛ لا يصلح الاستدلال بالنَّصِّ المذكور؛ كَبُرهان على مسألة أنَّ اللسان وحي من السّماء؛ لأنَّ دلالته ظنِّيَّة، وإذا طرأ الاحتمال بطُل الاستدلال. وتصوُّر نشأة اللسان وحياً من الله، هو وَهم مخالف للواقع تماماً، حيث أنَّ صدور الأصوات الواعية من الإنسان؛ كان نتيجة تفاعل الإنسان مع الواقع – عقلياً وشعورياً – وحركته الجماعية، وانتمائه إلى المجتمع، وتراكم ذلك، وتنامى ضمن زمن ليس بالقليل، فالنظام الصوتي لم يوجد في زمن واحد، ولم يكن نتيجة تفاعل إنسان واحد، وكذلك لم يكن نتيجة تفاعل مجتمع واحد، بل تفاعل مجتمعات، بصُورة تراكمية متنامية حسب احتياج كل مجتمع، وسعة تفكيره؛ ناهيك عن أن دلالة النّص القرآني السابق ظني الدّلالة، لاحتماله أكثر من مفهوم، وذلك حسب منظومة الباحث التي يستخدمها في البحث (1).
المسألة الثّانية : لقد نظر هؤلاء إلى عظمة اللّسان العربي، وإحكامه، فتصوروا استحالة أن تكون مفردات هذا اللسان من صنع الإنسان، وذلك لانبهارهم بها، وعدم مشاركتهم في عملية ولادتها وبنائها، فلقد وصلت إليهم، بناء متكاملاً محكماً، ونزل التنزيل الحكيم عربيَ اللسان، وهو نصٌ إلهي محكم، فوصلوا إلى أنه لابُدَّ أن يكون اللّسان الذي يحتوي التنزيل الحكيم من المصدر ذاته؛ أي من الله تبارك وتعالى.
أولاً: إن اللّسان العربي سابق في وُجُوده، عن التنزيل الحكيم، ومن ثم لا علاقة للتنزيل الحكيم باللسان العربي ابتداءً.
ثانياً: اللّسان لم يوجد ابتداءً على صُورته الحالية، دفعة واحدة، وإنَّما وُجد بصُورة تراكمية خلال فترات طويلة من الزّمن، ساهمت المجتمعات الأولى في عملية ولادته وبنائه، وظهر بصور، منها أصيل منسجم مع الفطرة والواقع، وأخرى ابتعدت قليلاً، وانحرفت عن الفطرة والواقع، واستمرت تلك العملية المتنامية لبناء اللسان بصورته العربية مع تغلغل العجمة فيه من خلال تقديم، أو تأخير، أو تبديل، أو حذف بعض الأحرف أثناء لفظها إلى أن اكتمل اللّسان العربي بناء في هذه المجتمعات ككل مع اختلاطه بصفة العجمة ضرورة، وذلك لاتصاف الإنسان بصفة المحدودية في الإدراك والمعرفة والعلم، وهذا ينطبق على الجماعة أيضاً كونها مؤلفة من محدود، ومجموع المحدود، محدود ضرورة، إلى أن نزل التنزيل الحكيم باللسان العربي المبين، فجمع نظام اللسان، وحفظه من خلال استخدامه في صياغته، بصورة علمية مرتبطة مع محلها من الخطاب، فصار التنزيل الحكيم؛ هو المرجع الوحيد للّسان العربي المبين، نظاماً ولفظاً، واستخدم الألفاظ العربية المنتشرة في المجتمعات المتفاوتة مدنياً، وحضارياً، وتاريخياً( الآشوريون، والآراميون، والبابليون، والفينيقيون، والأقباط..)، فظهرت كلمات تدل على تقدم ٍ، وتطورٍ، ومدنيّة ٍ، في التنزيل الحكيم غير مستخدمة في مجتمع شبه الجزيرة العربية حينئذ الذي نزل عليه التنزيل الحكيم، مثل إستبرق، وسندس، وأباريق…… فاللّسان العربي ؛ ليس من صنع إنسان بعينه، بل يستحيل عليه أن يُنشىء هذا الصّرح العظيم، فهو نتيجة تلاقح وتفاعل عقول المجتمعات مع الواقع بصُورة تراكمية، وهو اكتشاف وليس اختراعاً. فاللّسان ظاهرة اجتماعية، ونتيجة تفاعل الإنسان مع الواقع، ومثل ذلك مثل سائر العُلُوم كلها، فقد بدأ الإنسان من نقطة الصّفر {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ}) النحل 78(، وبدأ الإنسان -كمجتمع – في رحلة التّعلم منذ أن تم النّفخ فيه من روح الله ، فتفعّل عنده السّمع والبصر والفؤاد، وسار في الأرض ينظر كيف بدأ الخلق؛ فلو جاء أحد الآن، وهو لا يدري عن نشأة علم الرّياضيات شيئاً، ونظر إلى عظمته، ودقته، وسعته الحالية، لما صدق -أبداً- أن ذلك من صنع الإنسان واكتشافه، لأن من طبيعة الإنسان عندما ينظر إلى شيء يريد أن يحكم عليه ينطلق من صفة العجلة، ويُهمل عاملَ الزّمان، وصفةَ التّراكم المعرفي للمجتمعات، ويحسب أن ذلك الصّرح الرّياضي العظيم، هو من بناء إنسان واحد، وفي لحظة واحدة؛ فيحكم مُباشرة باستحالة أن يصدر ذلك من إنسان، ولابُدَّ أن يكون هذا العلم الرّياضي من جهة عظيمة غير الإنسان !؛ وما ينطبق على العُلُوم، ينطبق على علم اللّسان العربي تماماً. فالإنسان كائن عظيم؛ بما وهبه الله من نعمة العقل، والتّفكير، والحُرِّيَّة {وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَىَ كَثِيرٍ مّمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} (الإسراء 70)، وجعله خليفة في الأرض، {وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة 30)، وقديماً قيل: إذا عُرِفَ السّبب بَطُل العجب.
فاللّسان العربي، هو نتيجة تفاعل الإنسان، وتصويته وتعقله، وتفكيره في الواقع، وتواصله مع بني جنسه، وتراكم هذه المعلومات وتواصلها مع المجتمعات اللاحقة، فكل مجتمع، يضيف تفاعله في علم اللسان لما سبق إلى أن تم بناء نظام وأساس اللّسان، واكتمال الأبجدية الصّوتية (المقاطع الصوتية)، التي هي بمثابة اللّبنات، والعناصر الأساسية، التي استخدمت في بناء اللّسان. والتنزيل الحكيم نزل مستخدماً اللّسان العربي؛ ليوصل إلى النّاس مضموناًَ معيناً من الدّلالات، واستخدم الله الكلمات في صياغة التنزيل الحكيم مؤلفة من ذات الأصوات التي يستخدمها الإنسان في كلامه مع الآخرين، والإحكام في التنزيل الحكيم كان في طريقة استخدام الأصوات، وتركيبها مع أخواتها بصُورة مطابقة لمحل الخطاب من الواقع -تماماً -، وتُغطي الحدث من بدايته إلى مُنتهاه، حيث لا يقبل النّص أي زيادة في المبنى، مع مرور الزّمن، وتقدم العُلُوم عند الإنسان، وهذا لا ينفي الأوجه الأخرى للإحكام، ومن هذا الوجه نقول: التنزيل الحكيم، صالح لكل زمان ومكان، وتجلّت تلك الحقيقة في ثبات النّص مبنىً ومفهوماً، وتحركه معنىً ومقصداً، ضمن معطيات دلالات المبنى والمفهوم، ومعلومات الواقع، وكل ذلك على محور الثّابت والمتغير. لذا؛ إنّ القول بأن نشأة اللّسان العربي وحي من الله ؛ هو رأي ضعيف جدّاً، وبعيد عن الصّواب، والبحث العلمي، وسنثبت ذلك أثناء كلامنا عن الرّأي الأخير.
الرّأي الثّالث: إنّ اللّسان العربي(أصوات)، هو نتيجة تفاعل الإنسان مع الواقع، وتصويته، وتواصله مع المجتمع، وهذا هو الرّأي الصّائب؛ من بين الآراء المذكورة لنر ذلك من خلال الشّرح : أول أمر ينبغي العلم به، هو العلم بأن الإنسان كائن حي له غرائز نفسية وأخرى جسمية، وحاجات نفسية،وحاجات جسمية (1)، ومن غرائزه النّفسية، غريزة التّعلم التي تدفعه إلى البحث والتّقصي عن حقيقة حدوث الأمور، و لكي تكون عنده القدرة على التّعلم؛ ينبغي أن يملك أدوات التّعلم، ودافع التّعلم، وهذه الأمور هي من الفطرة التي فطر الله النّاس عليها، فيُوجد انسجام وتكامل بين فطرة الإنسان، والواقع الذي هو من خلق الله، فقد جعل الله الإنسان يتناغم، وينسجم عقله، وتفكيره وجهاز النّطق المتعدد النغمات عنده مع الواقع تماماً، فهو كائن متعلم فطرة. فالإنسان الأول، هو إنسان فطري، ملتصق بالواقع أكثر من إنسان اليوم، ويتفاعل مع بيئته بصُورة انسجامية، وتناغمية، ويتنبه إلى تغيرات الطّبيعة وتقلباتها، فهو جزء لا يتجزأ من الطّبيعة، فكان واقعاً تحت تأثير الطّبيعة، وهيمنتها عليه، ومن هذا الوجه؛ كان القوم العرب يبعثون أولادهم إلى البادية؛ ليعيشوا في أحضانها بصورة متصلة، لينمو عندهم الحس الذوقي والمعرفي لتقلبات الطبيعة، ومظاهرها، وتتفعل حواسهم، ويكتسبوا منها المعرفة؛ كونها أمهم الأولى، بعكس إنسان المدنية، والمعاصرة، فهو يعيش حياةً مادِّيَّةً بين أربع جدران، تسد حواسه من أن تتفاعل مع الواقع، بل ويحارب الطّبيعة، ويقوم بتلويث البيئة، ويعيش مخالفاً لفطرته، معادياً بيئته، ويُصنع بصورة آلية، فيصير أعجميَ اللسان، وأعجميَ التفكير، ومُعطل الحواس. أما الإنسان الأول؛ فهو ربيب الطّبيعة، وابنها البار المتكيف مع نظامها، والملتصق بها كالتصاق الولد بأمه، يأخذ كل شيء منها؛ فلما بدأ الوعي عند الإنسان صار يحاكي أصوات الطّبيعة، والكائنات الأخرى، و ذلك من خلال تفاعله الفيزيولوجي الإيجابي، والسّلبي في استخدام جهاز النّطق عنده، وتفاعله النّفسي شُعُوراً وعقلاً، فبدأ بإصدار الأصوات التي يسمعها فعلاً، وردَّ فعل، وذلك بالتّعلم من الطّبيعة ذاتها، فأخذ صُوراً صوتية للظّواهر الطّبيعية، ولاحظ دلالتها؛ سواء الحالية، أم الوظيفية من خلال تشكلها في الواقع،مثل ظاهرة سقوط الأشياء من الأعلى إلى الأسفل وارتطامها في الأرض،وظهور صوت (طج) أو (دج)،ومع تكرار ذلك وصل إلى أنّ صوت (د) يدل على دفع شديد، وصوت (ط) يدل على دفع وسط؛ وصوت(ج)يدل على جهد أوشدة أوقوة وطاقة، فقام بتجريد الدلالة الصوتية من الحدث، وجعله مفهوماً مُجرداً يستخدمه في حالات تحقق فيها الدفع والجهد،وظهر الاستخدام الثقافي لها؛ لتعبر عن الشعور والأفكار، فكانت هي بداية ولادة الاستخدام الواعي لأصوات الأحرف بحدها الأدنى الثنائي عند الإنسان الأول، وتراكم ذلك التّفاعل في المجتمع، وأخذ بُعْداً اجتماعياً؛ لتواصل الخبرات، ونقلها من جيل إلى آخر، فكان الإنسان الأول يتواصل من خلال التّصويت، الذي هو في حقيقته صُور صوتية للظّواهر الطّبيعية، ونتيجةً لتراكم هذه الصّور الصّوتية؛ أوجد أساساً للمجتمعات اللاحقة؛ لتكوين اللسان، وذلك من خلال استخدام هذه اللّبنات الحية، والعناصر الأولى (الصّور الصّوتية الثنائية) بضم صوت إلى آخر، نتيجة علاقة بينهما في الواقع، بصُورة متتابعة كظاهرتين، فصارت الصّورة الصّوتية المؤلفة من مقطعين من الصّوت، بدايةً لنشأة اللّسان، وأساساً لبنائه، وكان ذلك في مرحلة التّعقل، والتّفاعل الإنساني، وعندما اشتدت الحاجة إلى العلاقات الجماعية، وكثرت، وتعقدت، تمت عملية ولادة المجتمع، وبدأ الإنسان في التّفكير؛ مستخدماً المفردات الأولى الفطرية؛ كحقل ومجال له؛ لأنَّ الإنسان، لا يفكر دون مفردات، تحمل معاني ومقاصد أفكاره وتكون جسماً لها، فاعتمد على الأساس الفطري، الذي وصل إليه نتيجة تعقله السابق عن التفكير، وتفاعله مع الواقع، الذي هو المقاطع الصّوتية، وما رَكَّبَه منها من ثُنائيات بصُورة فطرية، وعقلية، فقام بتوسيع هذه الكلمات الثّنائية فطرةً وتفاعلاً، وأضاف إليها صوتاً آخر يدل على الظاهرة الجديدة؛ لتصير ثُلاثية الأصوات، وبذلك بدأ التّفكير عند الإنسان، بصُورة مُتنامية، وصاعدة مع توسع اللسان طرداً، بحيث كلما زاد التّفكير، نما نظام اللّسان بناءً، وكَثُرت مُفرداته؛ لتحتوي عملية التّفكير، إلى أن وصل إلى مستوى عظيم من البناء، واكتملت مقاطع أصوات اللّسان (الأحرف الأبجدية ) التي يحتاجها في عملية سيرورته وصيرورته. إذاً، ولادة اللّسان من حيث الأساس؛ إنَّما هي أمر فطري، وظهر ذلك من خلال تفاعل الإنسان وتعقله، فوصل إلى المقاطع الصّوتية (الأبجدية) من خلال استخدام الكلمات الثّنائية، وهذا العمل لا يحتاج إلى تفكير، وعندما بدأ التّفكير عند الإنسان نتيجة الظاهرة الاجتماعية، ظهر توسع مفردات اللّسان ضرورةً، فظهرت الكلمات الثّلاثية تباعاً في كل مجتمع، حسب مستواه المعرفي؛ لتكون الحامل والحقل، لعملية التّفكير، والنهضة. ودراسة هذه المراحل، التي مر بها اللّسان العربي أمر مُشاهد في الواقع الحالي من خلال دراسة مراحل اكتساب النطق عند الأطفال، وتمكنهم من استخدام نظام اللّسان، مع ملاحظة الأصوات الفطرية، وتأثير المحيط الخارجي عليهم؛ بيئة، وغذاء، وثقافة، فتم ظهور أصوات قبل أخرى، مثل صوت الميم، والغين، فهما قد ظهرا قبل صوت القاف أو الضاد قطعاً، والقيام بقياس الغائب على الشّاهد لاشتراكهما بالمواصفات ذاتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سألت الدكتور “مازن الوعر” عن الرأي الذي وصل إليه علماء اللسانيات حالياً بمسألة نشأة اللسان؟
فقال: لقد تم الاتفاق بين معظم علماء اللسانيات في العالم على توقيف البحث في هذه المسألة،والاكتفاء بدراسة بُنية اللسان، وإمكانية تعلمه فقط.
فأظهرت استغرابي من ذلك، وقلت: كيف للعلم أن يتوقف عن متابعة دراسة كيف بدأ الحدث؟ وهذا شيء مهم لمعرفة القانون الذي يحكم الشيء كينونة وسيرورة وصيرورة!فسكت ولم يقل شيئاً، فعلمت حينئذ عن حجم المؤامرة التي يقودها اليهود لتحريف الكلم عن مواضعه، وإضاعة الحقيقة ليطمسوا علمية اللسان العربي الذي تمثل بنص التنزيل الحكيم، وذلك من خلال نشر اللغة تحت اسم العربية مضاهاة للسان العربي، ولكن بقواعد اعتباطية تبدأ بنفي دلالة الأصوات العربية، واعتباطية نشأة اللسان، وترسيخ قاعدة( تعدد الألفاظ لمعنى واحد) وأطلقوا عليها اسم علمي (الترادف) إضافة إلى ترويج مفهوم المجاز لتضيع الحقيقة!،وجعلوا اللغة حكماً وميزاناً على اللسان العربي المبين (التنزيل الحكيم) واتهموه بالشذوذ والأعجمية، وتدخلوا في بنية النص زيادة، ونقصاناً، وتصويباً، وتقديماً وتأخيراً أثناء دراسته ليصلوا إلى مفاهيم غير حقيقية لا تمتّ إلى التنزيل الحكيم بشيء سوى أنها موضوعة بين ظلاله!،ودرسوا التنزيل الحكيم وبيدهم قلم أحمر وبالأخرى مقص!، وانطلى التحريف اللغوي الاعتباطي على الأمة إلى يومنا هذا،وتمسكوا بالقواعد الأعجمية الاعتباطية ظناً منهم أنها قواعد اللسان العربي المبين الذي نزل التنزيل الحكيم بها!.
(1) راجع كتابي: (دراسة إنسانية في الرّوح والنّفس والتفكير) فصل (عملية التعقل والتفكير ونشأة اللسان).
(1) راجع كتابي أبحاث في (اللسان والقرءان) .
(1) راجع كتابي (دراسة إنسانية في الرّوح والنّفس والتفكير) فصل( الغرائز). وفصل (الفطرة).