الفرق بين اللسان العربي المبين ولسان الناس ومنهم النبي محمد
مفهوم اللسان العربي غير موجود قبل نزول القرءان فهو أطلق على اللسان الذي نزل به وصف العربي المبين ، والألسنة التي كانت سائدة في المنطقة تنسب لأهلها لسان مضر ولسان زيد ولسان عبيد….الخ، حتى في بلاد الشام كانت الألسنة معروفة باسم السريانية والعبرية والكنعانية والكلدانية والآرامية …الخ، وكلها لهجات متولدة من بعضها بعضاً حسب الأقدمية، وكلما رجعنا للخلف كلما تقلصت الألسنة ورجعت لأصلها ، واللسان الأصلي من ما ذكر هو اللسان الآرامي فهو أصل لهذه الألسنة وهي لهجات متولدة عنه وحصل الاختلاف بينها حسب طبيعة البيئة والابتعاد عن المركز، وهذا ملاحظ في المجتمع الواحد بين جنوبه وشماله وشرقه وغربه فكلهم يتكلمون لساناً واحداً رغم الاختلاف الظاهر في تغيير بعض الأصوات أو تقديم وتأخير في الحروف .
واستمر تطور اللسان في المنطقة هذه من جراء التفاعل الاجتماعي بين الجميع والهجرة و التداخل فيما بينهم وحصل تطور عند قوم أكثر من الآخرين حسب تفاعلهم المدني والتقني ولكن لم يصل لسان قوم معينين لمستوى اللسان العلمي الكوني وإنما كان يقترب منه بعضهم أكثر من غيره ولم يدع أحد منهم أن لسانه عربياً مبيناً، وعندما نزل القرءان أخذ النظام الذي يحكم الألسنة هذه وصاغ بواسطته خطاباً عربياً مبيناً واستخدم ماصح من معظم هذه اللهجات في خطابه القرءاني فأتى خطاباً يحتوي كم من المفردات المستخدمة في معظم المناطق سواء الألسنة البدائية مثل السرياني أو المتقدمة والمتمدنة، فهم لم ينزل بلهجة قريش ، ولا بلهجة زيد ولا عبيد ، ولذلك نجد فيه كلمات غير مستخدمة في بيئة قريش وهي مدنية متعلقة بمجتمع متطور مثل سندس واستبرق وأباريق…، مع وجود كلمات ظن معظم الباحثين أنها أعجمية لعدم وجودها في لهجة قريش مثل أسماء معظم النبيين مثل إبراهيم وإسماعيل، أو أسماء الملائكة مثل جبريل وميكال….الخ، لذلك من الطبيعي أن نجد كلمات في القرءان أصلها سرياني وأخرى آرامي وغيرها عبري وهكذا وربما فارسي أو حبشي…..الخ، لأن كل هذه اللهجات ترجع في أصلها إلى لسان واحد فطري ومنه تفرعت تلك اللهجات ولا قيمة للتسمية والنسبة للقوم ولا تنفي عن اللسان أنه ابن للسان السابق الأصلي .
لذا؛ لايصح القول إن القرءان تأثر بهذه الألسنة واستخدم كلماتها أو مفردات منها وبالتالي نفى عن خطابه أنه نزل بلسان عربي مبين ويوجد في القرءان كلمات أعجمية، والصواب أن هذه الألسنة كلها ترجع لأصل واحد وهو يحكمها إلى حد كبير وكلما كان اللسان أقرب إلى المركز خف الخطأ والتحريف فيه والعكس صواباً ، كلما ابتعد عن المركز زاد التحريف فيه والتغيير مع الزمن إلى حد كبير يظن الذي لا يعرف الحقيقة أنه لسان قائم بحد ذاته لا علاقة له بغيره قط.
وعندما وصل اللسان مجتمعاً بكل لهجاته مع تفاوت بينها إلى مستوى متطور واكتملت الأصوات التي هي بنية الكلمة وعمود اللسان كنظام وليس كمفردات ولهجات واستخدام؛ نزل القرءان مستخدماً الأصوات هذه التي تحقق بها الصفة العلمية الكونية واستخدم النظام الذي يحكم اللسان علمياً بكل لهجاته واختلافاته وصاغ النص القرءاني بلسان عربي مبين فكان هو الوحيد الذي اتصف بهذه الصفة ولذلك هو خطاب للناس جميعاً على مختلف ألسنتهم، ولا يوجد أحد من الأقوام أو الناس في أي زمان أو مكان يملك القدرة على الخطاب باللسان العربي المبين أو يمثله أو يدعي أنه لسان قومه، لا سكان شبه الجزيرة العربية ولا سكان بلاد الشام ولا الرافدين ومن باب أولى من ابتعد عن هذه المراكز، فجميع ألسنة هؤلاء هي ألسنة أعجمية بنسب متفاوتة حسب قربهم وبعدهم عن المركز والفطرة، ولا يوجد أحد يخلو لسان قومه من العجمة، ولايصح تسمية أي لسان منهم بلسان عربي مبين .
فكل ألسنة القوم هي اعتباطية إلى حد ما ويحكمها المجاز والترادف والاصطلاح والوضع ،وهي لسان الشعر والأدب والخيال والتصور بخلاف اللسان العربي المبين الذي نزل به القرءان فهو لسان علمي كوني خالي من المجاز والترادف والكذب والمبالغة وأسلوب الشعر ويعتمد على الحقيقة والمنطق والصدق ، وله نظام خاص به لدراسته موجود في داخل الخطاب الإلهي، ولاعلاقة له باللهجات المنتشرة بين الناس باسم اللغة العربية فهو ليس لغواً ولا عبثاً ولا باطلاً، ولا يدرس حسب قواعد سيبويه ولا الجرجاني ولا غيرهم، ولايخضع في مفاهيم كلماته لمعاجم اللغة الاعتباطية فهي تاريخ استخدام الكلمات للقوم في زمن معين وليست هي كتباً إلهية وليست برهاناً بحد ذاتها، لذلك ينبغي عند دراسة النص القرءاني الانتباه إلى عدم جعل الشعر الجاهلي أو المعاجم حاكمة على كلمات القرءان أو برهان عليها ، والذي يحدد منهج الدراسة ومراجعها وبراهينها هو طبيعة النص ، إن كان نصاً بشرياً فلاشك الشعر والمعاجم والكتب الأدبية والأحاديث حجة في ذلك ولابد من وجود المجاز والترادف ضرورة لازمة لقصور اللسان البشري عن التعبير عن الحقيقة والصدق والعلمية ، وعندما يكون النص إلهياً فقواعده قرءانية علمية كونية خالي من المجاز والترادف والاعتباط، ومن الخطأ الفاحش دراسة أحد النصين بقواعد الآخر، فلسان البشر تكون دراسته مبينة على المعنى والمقصد والتساهل في المبنى والصياغة، بينما دراسة اللسان الذي نزل به القرءان تكون من المبنى وتحديد المفهوم العلمي للمفردة صوتياً ودراسة الصياغة للوصول للمعنى المحكوم بالمفهوم اللساني العلمي من خلال إسقاط الخطاب على محله من الواقع وفق منهج عربي حنيف، وهذا يقتضي دراسة مفاهيم الأصوات العربية بداية لأنها هي مبنى الكلمة لنصل إلى قاموس صوتي عربي كوني نستخدمه في معرفة مفهوم الكلمة ومن ذلك نستطيع تحديد معنى الكلمة من خلال السياق ومحل الخطاب، فلا قيمة لاستخدام القوم لكلمة في معنى كذا أو كذا خلاف الاستخدام القرءاني مثل كلمة (آل) فالقرءان لم يستخدمها إلا مضافة للعاقل فقط مثل (آل إبراهيم ) ولايصح قرءانياً استخدامها لغير العاقل مثل(آل البيت)، وشيوع الاستخدام بين الناس لا يجعل ذلك صواباً فهو خاص بهم لا قيمة له علمياً أو قرءانياً، لذلك ينبغي الانتباه حين دراسة القرءان وأن لا نخلط بين قواعد اللغة الأعجمية مع قواعد اللسان العربي المبين.
اضف تعليقا