قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً

{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً }الأحزاب37
كلمة (وَطَرَ) أتت في النص مرتين بصيغة اسم( وطراً)، ولنرى كيف فسرها أهل المعاجم:
وطر (لسان العرب)
الليث: الوَطَرُ كلُّ حاجةٍ كان لصاحبها فيها همة، فهي وَطَرُه، قال: ولم أَسمع لها فعلاً أَكثر من قولهم قضيت من أَمر كذا وَطَرِي أَي حاجتي، وجمع الوَطَرِ أَوْطارٌ. قال الله تعالى: فلما قَضَى زَيْدٌ منها وَطَراً؛ قال الزجاج: الوَطَرُ في اللغة والأَرَبُ بمعنى واحد، ثم قال: قال الخليل الوَطَرُ كل حاجة يكون لك فيها هِمَّةٌ، فإِذا بلغها البالغ قيل: قضى وَطَرَه وأَرَبَهُ، ولا يبنى منه فعل.
الوَطَرُ (القاموس المحيط)
الوَطَرُ، محرَّكةً: الحاجةُ، أو حاجةٌ لك فيها هَمٌّ وعِنايةٌ، فإذا بَلَغْتَها، فقد قَضَيْتَ وطَرَكَ
ج: أوطارٌ.
وطر (الصّحّاح في اللغة) الوَطَرُ: الحاجةُ، ولا يبنى منه فعلٌ، والجمع الأوطارُ.
لاحظ أهل المعاجم أن كلمة (وَطَرَ) تتعلق بسياق قضاء الشيء، فقالوا: هي حاجته أو بُغيته أو شيء فيه هَم وعناية…، والملاحظ أن هذا ليس مفهوم كلمة ( وطر) لسانا وإنما استخدام لها في سياق معين وأتوا بنتيجتها وليس بمفهومها اللساني، وهذه عادة غالب أهل المعاجم وخاصة لسان العرب وهو أكبر معجم يأت بتفاصيل تاريخية وثقافية عن استخدام الكلمة والأسماء أو الأماكن أو القبائل أو الأشخاص الذين أطلق عليهم الكلمة كإسم لهم ، وهذا ليس معنى الكلمة ولامفهومها اللساني ولايفيد القارئ أو الباحث شيئاً.
فما هو مفهوم كلمة (وَطَرَ) لساناً؟
وَطَرَ: الواو تدل على ضم ممتد مكانياً، الطاء تدل على دفع بقوة وسط، والراء تدل على تكرار ماسبق من حركات وأفعال، ليصير مفهوم كلمة (وطر) الفيزيائي هو:
وطر: تدل على ضم بامتداد مكاني مندفع بقوة مكرر هذا الفعل بشكل مستمر، وظهر ثقافياً بمعنى نيل الحاجة بعد جهد وطلب لها، لأن فعل نيل الحاجة يلزمه ضم مكاني لازم وقوة مدفوعة لتحصيله بشكل مكرر، فنقول: قضى زيد وطره، بمعنى لازم المكان الذي فيه حاجته وبذل قوة مكررة ليحصل على حاجته، وهذا بخلاف لو قلنا: قضى زيد حاجته العضوية ، بمعنى قام بالتبول ، فهذا لايحتاج لزوم المكان وبذل قوة مكررة!!
لنقرأ:
{وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف68
هل كلمة (إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا) يمكن أن نزيل كلمة (حاجة) ونستبدلها بكلمة( وطراً) فتصير الجملة (إِلاَّ وطراً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهُ)، ولايتغير المعنى؟
هل قام النبي يعقوب بملازمة المكان وبذل قوة وكرر فعله ليحصل الحدث أم هي حاجة في نفسه لاتحتاج لقوة ولا لملازمة المكان ولا لتكرار الفعل؟
إذاً؛ مفهوم كلمة (الوطر) يدل على ضم ورص مكانياً لازم بقوة مكررة، ويظهر المعنى ثقافياً حسب استخدام المتكلم لها في السياق وما يقصده من تعلق الكلمة في الواقع.
أتت كلمة (وطراً) بسياق مشكلة وخلاف بين زيد وزوجه وهو يريد طلاقها ويصر عليه بينما النبي يقوم بعملية عرقلة حصول هذا الطلاق حتى لايتم زواجه من طليقة زيد كما أمره الله خشية قول الناس إن محمد تزوج طليقة ابنه بالتبني، وهذا الحدث وجَّه معنى دلالة كلمة ( وطراً) نحو معاناة زيد من سوء معاملة زوجه له وازدرائه، وبذل قوة في الصبر عليها وكرَّر هذا الفعل ولكن في النهاية للصبر حدود لم يعد يتحمل أذاها فطلقها، فصار معنى كلمة(وطراً) هو لزوم زيد بعلاقته مع زوجه وبذل قوة في الصبر على أذاها وكرر ذلك الفعل امتثالاً لأمر النبي بإمساكها حتى نفذ صبره ولم يعد يتحمل، فطلقها.
و دلالة كلمة (وطراً) الثانية أتت بالسياق ذاته يوجد مشكلة وشجار ونزاع بين الزوجين، و حصل طلاق بينهما ، واستخدام كلمة (وطرا) دلت على وجود علاقة ضم وجمع لازمة بقوة مكررة بين الزوجين قبل الطلاق.
وهذا مفهوم جملة(إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً) بمعنى إذا تم بين الزوجين العلاقة اللازمة بقوة ومايترتب عليها بشكل مكرر ومع ذلك لم تنجح العلاقة رغم كل ماحدث وحصل طلاق بينهما فلا حرج على الأب من الزواج من طليقة ابنه بالتبني كونه ليس ابناً له من صلبه.
لذا؛ قول أهل اللغة والتفسير عن كلمة (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً) تعني قضى حاجته، فيه إنقاص من قيمة المرأة والعلاقة بين الزوجين وتحريف لكلمة قرءانية! ولاعلاقة لكلمة (وطراً) بالجنس أبداً ، فهي تتكلم عن علاقة اجتماعية لازمة بقوة مكررة بين الزوجين.