Skip to content
جدلية الوراثة والتتابع في ثبوت النص القرآني
جدلية الوراثة والتتابع في ثبوت النص القرآني
بين انتقال التكليف وسيرورة الوجود التاريخي
( ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَـٰبَ ٱلَّذِینَ ٱصۡطَفَیۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمࣱ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدࣱ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَیۡرَ ٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَ ٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِیرُ ) (فاطر 32)
تُعَدّ مسألة ثبوت النص القرآني عبر الزمن إحدى القضايا المركزية في الدراسات القرآنية والمعرفية؛ إذ تتداخل فيها أسئلة الوجود التاريخي للنص مع أسئلة وظيفته التكليفية في حياة الأمة. ويختلط في كثير من المقاربات بين مصطلحاتٍ قرآنية ذات حمولة إيمانية/قيميّة- مثل “الإيراث”- وبين المفاهيم التي تصف دينامية حضور النص في الواقع التاريخي- مثل “التتابع”. ومن هنا تنبع الحاجة إلى تمييز دقيق بين “وظيفة النص” بوصفه كتاب تكليف، و”حركة النص” بوصفه ظاهرة وجودية متتابعة في حركة الأمة.
إن آية {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ} تتناول انتقال العهدة والمسؤولية التكليفية، ولا تُراد منها صياغة برهانٍ على آليات الثبوت التاريخي، بينما يثبت القرآن تاريخيًا عبر “تتابع سيرورة وجودية حية” لا عبر وثيقةٍ جامدة أو خبرٍ روائي.
أولاً: مفهوم “الكتاب” بين المضمون والوثيقة
-
الكتاب كمنظومة مضمونية لا كوعاء مادي
يستعمل الخطاب القرآني مصطلح “الكتاب” في دلالات تتجاوز الإشارة إلى المخطوط الورقي أو المصحف بوصفه كيانًا مادّيًا؛ فالكتاب- في أصل معناه-هو ما جُمع وضم بعضه إلى بعض في نسقٍ معرفي أو قيمي أو تشريعي. وبهذا الاعتبار، يُفهَم “الكتاب” على أنه بنيةٌ مضمونية متماسكة تضم أخبارًا وأحكامًا وقيمًا وتوجيهات، سواء تم تثبيتها في سطورٍ مخطوطة أو حُملت في صدورٍ حافظة وألسنةٍ تالِية.
هذا الفهم يحرّر النقاش من قيد “الأرشفة الوثائقية”؛ إذ لا يتوقف وجود الكتاب على مادّة الحبر والرق فهذا لايسمى لساناً، بل يكون وجوده الأول وجودًا معرفيًا وقيميًا في الوعي واللسان والممارسة. ومع ذلك، يظل الوعاء المادي لاحقاً شاهدًا مساعدًا على هذا الوجود، لا أصلًا منشئًا له ولا حاكمًا عليه.
-
الذِّكر الصوتي بوصفه نمطًا أصليًا للتلقي
نزل القرآن ابتداءً في صورة “ذِكر صوتي” يتلوه النبي على الناس في سياقات متعددة: في الصلاة، والبيان، والخطاب العام، والتعليم الخاص، ولم يكن النمط على تلقيه توزيع المخطوطات على الأفراد. وبذلك يتقدّم البعد السمعي-الأدائي في تلقي الكتاب على البعد المخطوطي -الوثائقي؛ فالمقام الأول لوجود القرآن كان في التلاوة المسموعة والحفظ والتلقين، لا في امتلاك نسخة مخطوطة فردية لكل متلقّ.
هذا “الذِّكر الصوتي” يجعل من الكتاب نصًّا حيًا متحركًا في فضاء الجماعة؛ لأن الصوت لا يعيش في الفراغ، بل في مجال اجتماعي من المستمعين والحافظين والممارسين، بخلاف الوثيقة الصامتة التي يمكن عزلها في أرشيف أو خزانة.
ثانياً: التتابع الحي وثبوت القرآن عبر السيرورة الاجتماعية
-
فترة التعهد النبوي (ثلاثة وعشرون عامًا)
تمتدّ مرحلة التأسيس القرآني في حياة النبي نحو ثلاثةٍ وعشرين عامًا، وهي فترة تعهّد مباشر للنص من قِبَل المبلّغ الأول، تلاوةً وتعليمًا وتطبيقًا. في هذه المدة لم يُتعامل مع القرآن بوصفه “مستندًا تاريخيًا” بل بوصفه معيارًا حيًا يَحكم حياة الجماعة الناشئة في عباداتها ومعاملاتها وتصوراتها، فهو نص حيوي.
في هذه الفترة كان القرآن يُتلى في الصلوات الخمس، ويُتلى في صلاة الليل، وتُلقى به الخطب والمواعظ، ويُستدل به في الحوادث اليومية، ويتلقاه الصحابة والتابعون عن النبي في حال حياةٍ وتفاعلٍ وتصويب، مما حول النص إلى جزءٍ من النَّسغ اليومي للجماعة. هذا التعهد النبوي أنتج طبقةً أولى من المتلقين يشتركون في “ذاكرة قرآنية” جمعية يستحيل معها، من الناحية الواقعية، تمرير نصٍّ مغاير أو تحويرٍ جوهري دون انكشاف.
-
من “معلومة” إلى “ظاهرة”: طبيعة التتابع
لا يُفهَم ثبوت القرآن هنا على أنه بقاء “معلومة” محفوظة عن واقعةٍ ماضية فحسب، بل على أنه نشوء “ظاهرة ثقافية-عبادية” مستمرة: نصٌّ يُتلى ويُحفظ ويُعلَّم ويُعمل به في مستوياتٍ متعددة من حياة الأمة. هذه الظاهرة تتصف بخصائص تجعلها عصيّة على التزوير الشامل أو الإحلال الكامل، من أهمها:
-
التداخل الجيلي: تلقي الجيل التالي عن الجيل المعاصر في حياة الطرفين، بما يتيح التصويب والمراجعة المتبادلة ويمنع الانفراد بالنقل.
-
الكثافة الاستعمالية: حضور القرآن حضورًا يوميًا في الشعائر (الصلاة، التلاوة) وفي التعليم والخطاب العام، مما يرسّخ ألفة جماعية دقيقة مع ألفاظه ونظمه.
-
التعدد المكاني: انتقال النص مبكرًا إلى بيئات متعددة داخل الأمة، بما يمنع حصر التلقي في مركز واحد يمكن التحكم فيه.
-
استقلال مسارات التلقي: وجود شبكات تعليم وحفظ لا ترجع كلها إلى سلسلةٍ واحدة مغلقة، بل تتقاطع في النص وتختلف في الأفراد والمواضع.
هذه العناصر تُشكّل ما يمكن تسميته “تتابع سيرورة الوجود الحي”: أي الانتقال المتصل المتنامي للنص عبر الأجيال بوصفه ممارسةً اجتماعية ممتدة، لا بوصفه خبرًا يُستخرج لاحقًا من بطون الكتب أو من تجميع الأسانيد.
-
تبعية المخطوط للتلاوة
في ضوء هذا المفهوم، يصبح المخطوط – بكل صوره – تابعًا للتلاوة لا أصلًا لها؛ فالحاجة إلى الخط تنشأ داخل فضاءٍ سبق أن استقرّت فيه التلاوة والحفظ كواقعٍ معاش. المخطوط يحتاج إلى تال يفعّله في الوعي، بينما التلاوة الصوتية تحمل ذاتها بذاتها من فمٍ إلى أذنٍ إلى صدر، قبل أي توسّطٍ مادي.
وعليه، لا يصحّ رفع الوثيقة المخطوطة إلى مرتبة “الحجة المؤسسة ” في ثبوت النص، بل موضعها الصحيح أنها شاهدٌ لاحق ومعاضِد ضمن سيرورةٍ أوسع هي سيرورة التتابع الحي.
ثالثاً: “الإيراث” في آية فاطر: بين التكليف والثبوت
-
سياق الآية: من يحمل الكتاب لا كيف نثبته
آية {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ} تأتي في سياق تعداد النعم والمنن الإلهية على الذين اصطفاهم الله لحمل هذا الكتاب، ثم بيان تمايزهم في الاستجابة: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ}. محور التقسيم هنا هو نمط التعامل العملي مع الكتاب (ظلماً أو اقتصاداً أو سبقا) لا نمط المشاركة في نقله أو درجات إتقانه روايةً.
هذا السياق يدلّ على أن “الإيراث” في الآية إيراثُ مسؤوليةٍ وتكليف واصطفاءٍ لحمل الأمانة، لا بيانٌ لآلية الثبوت التاريخي أو لطريقة انتقال النص عبر السلسلة الزمنية. فالقرآن في منطق الآية “مفروغ من ثبوته”، والبحث منصبٌّ على “كيف تعاملت معه الأمة الوارثة سلوكياً.
-
دلالة “الوراثة” وحدودها المفهومية
الوراثة في أصل معناها انتقال ملكٍ أو عهدةٍ من مُورِّث إلى وارث، وقد تستبطن معنى الانقطاع بين جيلَيْن (موت المورث وبقاء الوارث) أو معنى الاختصاص بعهدٍ أو أمانة. من هذه الجهة، يفيد لفظ “الإيراث” في الآية معنى الاختصاص والاصطفاء والتشريف بحمل الكتاب، لكنه لا يتكفّل بوصف دينامية حضوره في كل طبقة من طبقات التاريخ.
بعبارة أخرى: الوراثة تصف “مَن في عهدته الكتاب” من حيث التكليف، أما “كيف يحضر الكتاب فعليًا في وعي الجماعة وتاريخها” فهذا مجال مفهوم آخر هو “التتابع”. إن جعل الوراثة دليلًا على الثبوت التاريخي يحمّل اللفظ أكثر مما يحتمل دلاليًا وسياقيًا
رابعاً: تتابع سيرورة التلاوة كمعيار لثبوت القرآن
انطلاقًا مما سبق، يمكن بلورة مفهوم “التتابع” بوصفه معيارًا لثبوت النص القرآني، على النحو الآتي:
-
التتابع ليس “خبرًا سنديًا” بل “حركة سيرورة وجودية” لنصٍّ يتخلل البنية الاجتماعية والروحية للأمة جيلاً بعد جيل.
-
التتابع لا يُختزَل في “الكثرة العددية” فحسب، بل في توافر شروط التداخل الجيلي، والكثافة الاستعمالية، والتعدد المكاني، واستقلال مسارات التلقي.
-
متى ما تحققت هذه الشروط في نصٍّ ما، صار إنكاره شبيهًا بإنكار ظاهرةٍ اجتماعية واسعة لا بمجرد ردّ روايةٍ فردية أو وثيقةٍ مفردة.
بتطبيق هذا المفهوم على القرآن، يتبين أن ثبوته التاريخي يُستمدّ من كونه “ذكرًا صوتيًا متتابعًا” حضر في الأمة منذ الجيل الأول، تحت عناية النبي به ثلاثةً و عشرين عامًا، ثم استمر وجوده في التلاوة والحفظ والتعليم والشعائر، بما جعله حقيقةً معيشة لا قابلة للاختزال في مخطوطة أو ملفّ أرشيفي
الخلاصة
تسمح جدلية “الوراثة والتتابع” بتحرير مستويين متغايرين في التعامل مع النص القرآني: مستوى التكليف، ومستوى الثبوت. فـ”الوراثة” تصف انتقال العهدة والمسؤولية والاصطفاء للأمة التي حُمِّلت أمانة الكتاب وتفاوتت في الاستجابة له بين ظلمٍ واقتصادٍ وسبق. أما “التتابع الوجودي الحي” فيصف سيرورة حضور القرآن في ثقافة الأمة عبر الذكر الصوتي، والتعهد النبوي، والتلقي الجيلي، والتموضع في الشعائر والتعليم، وهو الذي يمنح النص يقينه التاريخي ويخرجه من ضيق الوثيقة إلى سعة الواقع المعاش ، ويمكن أن نقول :توريث متتابع حي.
وبهذا التمييز المنهجي يتضح أن القرآن ثابت بالتتابع قبل أن يكون مخطوطاً في الصحف، وأن آية {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ} تُفهَم في إطار انتقال التكليف لا في إطار بناء برهان الثبوت، وإن التقى المساران في خدمة حقيقة واحدة: أن هذا الكتاب قد صار في عهدة أمةٍ مُصطفاة، حاضراً في تاريخها ووجدانها معاً.
samer Islamboli2026-01-18T20:17:55+03:00
شارك المحتوى على مواقع التواصل
Page load link
اضف تعليقا