المُقَدَّسُ والمُبَارَكُ في القرآن

 دراسةٌ لسانيةٌ وصوتيةٌ ثم تطبيقٌ مُحكَمٌ على الآيات

مدخلٌ منهجيٌّ

تظهر في القرآن الكريم أوصافٌ دقيقة تُسند إلى المكان والزمان والكتاب والإنسان، ومن أعمق هذه الأوصاف وأكثرها تداولاً وصفان متقاربان في اللفظ ومتباينان في الوظيفة التشغيلية وهما المقدس والمبارك. ولا يستقيم الفهم الحقيقي لهذه المصطلحات إلا بميزان لساني يضبط الجذر والصيغة والوظيفة، ثم يهبط بالمفهوم من التجريد الوجداني إلى واقع الشهادة لنسأل: ما الذي يترتب على هذا الوصف؟ وما هو أثره في حركة الإنسان؟ وما هي حدوده المعرفية التي تمنع تغول السلطة أو تأليه المادة.

أولاً: الدراسةُ اللسانيةُ (الجذر والصيغة والوظيفة)

مُقَدَّس: الصيغةُ والمعنى

كلمة مقدس تأتي على وزن مُفَعَّل، وهي صيغة اسم مفعول من الفعل قَدَّسَ. ودلالة الجذر اللساني (ق د س) تدور في جوهرها حول الطهارة والتنزيه، أي جعل الشيء في مقام مُصان من الدنس، أو منزَّه عن الخلط الذي يفسد حقيقته ووظيفته. والوظيفة التشغيلية للتقديس في المنظور القرآني هي ضبط الحرمة والطهارة، بمعنى وضع حد قاطع يمنع الانتهاك، ويحمّل الدافع أو الداخل في نطاقه مسؤولية مخصوصة تضبط السلوك.

مُبَارَك: الصيغةُ والمعنى

كلمة مبارك تأتي على وزن مُفَاعَل، وهي أيضاً اسم مفعول من الفعل بَارَكَ. ودلالة الجذر اللساني (ب ر ك) تدور حول ثبوت الخير ونمائه وزيادته، بمعنى أن الخير في الشيء المبارك لا يمر مروراً عابراً، بل يستقر ويتكاثر ويترك أثراً متجدداً في الواقع. والوظيفة التشغيلية للبركة هي تضاعف الأثر النافع، أي كثرة خير ثابت يعود على الناس وعلى المجتمع بإصلاح وهدى ونفع ملموس.

الفرقُ المحوريُّ بينهما

إن التقديس يركز بالدرجة الأولى على الحرمة والطهر وضبط الحدود لمنع الانتهاك، فهو وصف يُدخل الشيء في نظام الطهر والمسؤولية. أما البركة فتركز على النماء والزيادة والثمرات المتولدة عن الشيء في واقع الناس. وقد يجتمع الوصفان في موضع واحد لكنهما لا يتطابقان وظيفياً؛ فشيء قد يُقدَّس لضبط حرمته بلا كثرة آثار اجتماعية ظاهرة، وشيء قد يُبارَك بكثرة نفعه دون أن يكون موضوع حرمة شعائرية مخصوصة. وبناءً على صيغة اسم المفعول، فإن التقديس والتبريك هما فعل إلهي أُوقع على المحل، مما يخرجه من ذاتيته المادية الصماء إلى وظيفته الرسالية الكبرى، وهذا يقطع الطريق على تأليه المادة أو الشرك المكاني.

ثانيًا: التحليلُ الصوتيُّ للجذرين (فيزياءُ المعنى)

(قَدَسَ) – حركةُ الجذر صوتيًّا

حرف القاف صوت يدل على توقّفٍ وقطعٍ في الحركة بشدة، وحرف الدال صوت يدل على دفعٍ شديد، وحرف السين صوت يدل على حركةٍ انسيابيةٍ رقيقة. والخلاصة الصوتية الفيزيائية لهذا الجذر ترسم انتقالاً من حالة القطع والدفع الشديد إلى حالة الانسياب والصفاء؛ وكأن المعنى يتجه إلى إخراج الشيء من حال الاختلاط والاضطراب إلى حال الانضباط والطهر والصفاء. فالتقديس هو عملية تطهير دفعي تُصفي الشيء وتجعله مصاناً وظيفياً ومنزهاً عن العبث البشري.

(بَرَكَ) – حركةُ الجذر صوتيًّا

حرف الباء صوت يدل على جمعٍ وضمٍّ مستقر، وحرف الراء صوت يدل على التكرار ، وحرف الكاف صوت يدل على ضغطٍ واحتكاكٍ خفيف. والخلاصة الصوتية الفيزيائية لهذا الجذر ترسم معنى استقرارٍ يتكرر أثره مع وجود قوة تحفظ هذا الاستقرار؛ وهذا ينسجم تماماً مع كون البركة خيراً ثابتاً نامياً لا يتلاشى سريعاً؛ بل يتضاعف أثره وينتشر نفعه عبر الزمن والواقع.

ثالثًا: التطبيقُ المحكمُ على الآيات وفق المنهج اللساني

الأرضُ المُقَدَّسَة (سورة المائدة: الآية 21)

قال تعالى: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} (سورة المائدة: الآية 21). بناءً على المفهوم اللساني، فإن الأرض المقدسة ليست أرضاً مؤلَّهة، ولا تراباً يغير قوانين المادة بحد ذاته، بل هي أرض أُدخلت في نطاق حرمة وطهر ووظيفة داخل التاريخ الرسالي. تقديس الأرض يعني أن التعامل معها محكوم بمسؤولية العدل وعدم الانتهاك واحترام حدود الحق. القداسة هنا تصنع حداً معرفياً وقانونياً؛ فمن دخلها دخل تكليفاً بامتثال الحق لا امتيازاً عرقياً أو سلطوياً للظلم. إن القداسة في القرآن هي تكليف لا امتياز، وهي تضبط الانتهاك ولا تبرره، ومن أخطر الانحرافات أن تتحول قداسة المكان إلى ذريعة لظلم الإنسان.

البقعةُ المُبَارَكَة (سورة القصص: الآية 30)

قال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (سورة القصص: الآية 30). البركة هنا تُقرأ بوظيفتها في تضاعف أثر الخير؛ فهي ليست شيئاً غامضاً يُلتقط بالمسح، بل هي أثر تاريخي تشغيلي وموضع نداء ووحي غيّر مسار الإنسان، فتضاعفت آثاره في الذاكرة والهداية. بركة البقعة هي بركة الموضع بما جرى فيه من هداية وإقامة حجة، مما جعل نفعها يتعدى اللحظة الزمانية ليكون خيراً ثابتاً نامياً في مسيرة الوعي البشري.

كتابٌ مُبَارَك (سورة الأنعام: الآية 155)

قال تعالى: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (سورة الأنعام: الآية 155). الكتاب مبارك لأن البركة فيه هي بركة تشغيل؛ فكلما قُرئ واتُّبع زاد خيره ونما أثره في تصحيح مفاهيم النفس وإصلاح المجتمع. ولذلك قرن النص البركة بآلية الإظهار العملي: {فاتبعوه واتقوا}، فالبركة في الكتاب ليست زينة لفظية أو تبركاً مسحياً؛ بل هي قانون أثر يتوقف ظهوره على الاتباع والتقوى. إن نماء الوعي وتصحيح المسار المعرفي هما ثمرة هذه البركة التشغيلية التي تحرر الإنسان من الهجر إلى التفعيل.

بكةُ مُبَارَكةٌ وهدًى للعالمين (سورة آل عمران: الآية 96)

قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} (سورة آل عمران: الآية 96). وصف مباركاً هنا مرتبط عضوياً بوصف هدى للعالمين؛ فبركة المكان تتجسد في نماء التدافع الاجتماعي الإيجابي والتعارف العالمي الذي يشهده هذا المركز الجامع. والآيات البينات والأمن والحج المذكورة في الآيات اللاحقة هي الآثار والنتائج التي تترجم معنى البركة في واقع الشهادة كخير ثابت متكرر يجمع الناس على الحق والعدل، فالبركة هنا هي نماء الهداية والتعارف الإنساني عبر مركز يحقق الأمن والارتقاء.

الإنسانُ المُبَارَك (سورة مريم: الآية 31)

قال تعالى على لسان عيسى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} (سورة مريم: الآية 31). مباركاً أينما كنت تعني أن البركة في الإنسان هي نفع متعدٍ وتضاعف للخير والوعي بسببه حيثما حل. الإنسان المبارك هو الذي يحيي الموات الفكري ويصحح المفاهيم، وبركة عيسى عليه السلام تكمن في لسانه الذي أحيا العقول، والبركة هنا مرتبطة بعمل مُنتِج كالصلاة والزكاة اللتين تقيمان ميزان الحق والعدل وتزكية النفس وإصلاح الاجتماع الإنساني.

خلاصةٌ مفهوميةٌ محكمة

إن المقدس والمبارك أوصاف وظيفية تهدف لبناء إنسان واعٍ يحترم الحدود ويضاعف الثمار النافعة في الأرض. فالتقديس هو طهر وحرمة وضبط حدود لمنع الطغيان والاستبداد، بينما التبريك هو خير ثابت ونماء متجدد الأثر في واقع الناس. تقديس الأرض هو وصف يعين نطاقاً من المسؤولية لا امتيازاً للظلم، ومباركة الكتاب والبيت والإنسان هي قوانين أثر تُنتج هداية وأمناً ونفعاً متعدياً في واقع الشهادة. وبهذا الميزان اللساني ينضبط الفهم القرآني ويتحرر من أوهام الكهنوت والسرديات السلطوية التي تفرغ المصطلحات من ثمارها العملية.