تدبر إحياء قتيل بني إسرائيل ومفهوم ضربه

عند دراسة قصة أمر بني إسرائيل بذبح بقرة نلاحظ أن الحدث هذا مستقل عن حدث القتيل وقد ذكر قبله، ولاعلاقة لهما ببعض، ولو أن عناصر الحدثين يدلان على تزامن حصولهما في زمن واحد متقارب جداً حيث أن حادثة القتل أدركت صلاحية لحم البقر أو جسدها عموماً بدليل الأمر باستخدام شيء منها في فعل الضرب للقتيل لإحيائه {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ }{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }البقرة72-73، وكلمة (إذ) تفيد الحصول المفاجئ الآني وهو حدث حصل بعد ذبح البقرة.

لابد من تحليل دلالة مفهوم كل من كلمات محور الحدث وهي: القتل، الضرب، الإحياء، الموتى.

– مفهوم القتل

قتل: القاف والتاء واللام أصل يدل على توقف أو انقطاع الشيء بشدة مع دفع خفيف منته بحركة لازمة ثقيلة.

وظهر ثقافياً بمعنى توقيف أو قطع أو منع أو تعطيل أو تقليص فاعلية الشيء للحد الأدنى أو التلاشي .

وظهر في الواقع بصورة مادية تعني توقف أو انقطاع حياة الإنسان من فاعليتها متمثلة بزهق حياته.

مثل قتل المجاهد في سبيل الله، {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }البقرة154

{وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }النساء93

{وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً }الإسراء33

– وظهر القتل بصورة معنوية متعلقة بمنع أو تقليص أو توقيف فاعلية الشيء إلى الحد الأدنى، أو جبره وإكراهه على شيء.

مثل قتل الشهوات في النفس ومنعها من فاعليتها ،أو حرمان النفس من الطيبات والعيش بخشونة وقلة، أو طلب توقيف فاعليته وحيويته بالدعاء عليه بالقتل.

-{قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ }عبس17

-{قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ }الذاريات10

-{فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ }المدثر19

-{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }البقرة54

-{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً }النساء29

-{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }الأنعام137

-{قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ }الأنعام140

– {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }التوبة5

وكلمة (قتل) إن شُدّدَت عين فعلها (قتَّل) تفيد تكرار فعل القتل في الواقع، وأيضا تتعلق بصورة مادية وأخرى معنوية ، والسياق ومحل الخطاب يحدد المعنى.

-{مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً }الأحزاب61

-{وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ }الأعراف141

فكلمة (يقتلون) دون تشديد عين الفعل تفيد القتل للأبناء الحاضرين، وبتشديد عين الفعل ( يقتّلون) تفيد استمرار القتل للأبناء الذين لم يلدوا بعد.

    والقتل في القرآن أتى على استخدام ثلاثة أنواع:

أ‌- قتل مادي يتعلق بهلاك الجسم ووفاة النفس، وهذه الصورة هي موت الناس الطبيعيين، وهؤلاء يُدفن جسمهم في التراب، وتُقبر نفوسهم في المقبرة البرزخية.

ب‌-  قتل مادي يتعلق بهلاك الجسم، وحياة النفس، وهؤلاء يُدفن جسمهم في المدفن أو في غيره، وتحيى نفسهم في عالم آخر إلى أن تنتهي الحياة الدنيا فيذوقون الموت ضرورة ويُبعثون مع الناس، مثل الذين قتلوا في سبيل الله.  

ت‌-  قتل معنوي يتعلق بقتل فكر النبيين والعلماء المصلحين سواء في حياتهم أم بعدها، انظر لأفعال المضارع  في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }آل عمران21، فهي كلها تدل على استمرار الحدث، وهذا مشاهد على أرض الواقع فما زال جمهرة من الناس إلى الآن يقتلون فكر النبيين، وهم يدَّعون أنهم من أتباعهم، ويصح أن نسميهم قتلة الأنبياء مثل الذين سبقوهم في التاريخ، لأن النبيين تعرضوا للقتل بنوعين:  

أحدهما قتل مادي أهلك جسمهم دون وفاة نفسهم و بالتالي هم أحياء عند ربهم يُرزقون، والآخر قتل معنوي أصاب دعوتهم سواء في حياتهم أم بعدها.

– مفهوم الضرب

ضرب: تدل على إيقاع شيء على شيء تترك به أثراً.

وله صورتين :

صورة مادية مثل ضرب الشيء باليد أو بالعصا أو بأداة مثلاً {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ }البقرة60

صورة معنوية وهي ضرب فكري أو نفسي مثل ضرب الأمثال للناس ليعقلوا الفكرة{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء }إبراهيم24

– مفهوم الحياة

{وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ }يس33،

فموت الأرض هو توقف فاعليتها وإنتاجها، وموت الكائن الحي كذلك توقف فاعليته وإنتاجه.

 فتكون الحياة هي فاعلية وإنتاج، وتظهر بصورتين:

حياة مادية: متعلقة بصلاحية وفاعلية الشيء ذاتياً، مثل الكائنات الحية.

حياة معنوية: متعلقة بفاعلية الإنسان ثقافياً وإنتاجياً بشكل صالح وإيجابي، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }الأنفال24.

– مفهوم الموت

{وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ }يس33، فإحياء الأرض هو إرجاع الفاعلية والإنتاج لها،والموت لها هو فقدان الفاعلية والإنتاج.

والموت نوعين بالنسبة للإنسان:

   أحدهما الموت المعنوي: وهو توقف فاعلية الإنسان وإنتاجه في الحياة ، وهذا هو الموت النفسي مع استمرار حياة الجسم.

الآخر الموت الجسمي: وهو توقف صلاحية الجسم وتعطل وظائفه الفيزيولوجية.

وهو على صورتين:

أ‌-     موت كامل يترتب عليه خروج النفس منه وتوفيها ، ويتحلل إلى عناصره الأولى في الأرض

ب‌-     موت نسبي يترتب عليه تقليص حركة الجسم حسب إصابته مع استمرار حياة النفس فيه

 

                               الفرق بين دلالة جمع الأموات وجمع الموتى.

كلمة الموت تدل على توقف فاعلية الشيء وإنتاجه سواء أكان بصورة مادية متعلقة بزهق الحياة أو تقليص الفاعلية الحركية للحد الأدنى أم بصورة معنوية تتعلق بتوقف الفاعلية والإنتاج النفسي والفكري والثقافي أو العقلي، والقرءان استخدم كلمة (أموات) جمع للميت المادي لنقرأ:

{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }البقرة28

{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ }البقرة154

فالقتل لهؤلاء في سبيل الله حصل بصورة مادية تتعلق بزهق حياتهم وخروج نفسهم من الجسم لإصابته بعطل قاتل، ومع ذلك أتى النص بالنهي عن وصفهم بالأموات، وكونهم مقتولين مادياً فالموت المنهي عن وصفهم به لاشك هو الموت المادي الذي يتعلق بتوقف فاعلية نفسهم بدليل مجيء جملة تثبت لهم الحياة خارج عالمنا ولا نشعر بهم، واستخدم النص كلمة (أموات) ليدل على نفي الموت المادي عن النفس وأنها مازالت بفاعلية وحية وليؤكد هذا المعنى أتى بكلمة أنهم يرزقون في نص آخر{وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }آل عمران169، هذا المفهوم لكلمة (أموات) بالمعنى المادي واضح في النصين وتفهم النصوص الأخرى على موجبهما أو نتوقف عن دراستهما ريثما نزداد علماً وارتقاء بالأدوات المعرفية ونحتفظ بما وصلنا إليه من مفهوم أن كلمة (الأموات) هي جمع لكلمة ميت الذي يحصل موته بصورة مادية سواء بشكل نهائي يتعلق بزهق الحياة أم جزئي يتعلق بتقليص حركة وفاعلية الإنسان جسمياً مثل الحالة السُّبات أو النوم أو الشلل الحركي للجسم.

واستخدم القرءان كلمة (موتى) جمع للميت المعنوي النفسي أو الإيماني لنقرأ:

{إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ }الأنعام36

{وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ }الأنعام111

وجملة (وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى) تدل على أنهم يمكن أن يتكلموا ولكن فاقدين السمع والبصر والتفكير من خلال تعطيلهم فهم موتى الفاعلية .

{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ }النمل80

الأموات لايسمعون وهذا تحصيل حاصل بينما الموتى يملكون حاسة الأذن وسلامة مركز السمع في دماغهم ولكن لا يُفعِّلون السمع فهم فقدوا الفاعلية فصاروا موتى.

{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ }يس12

إحياء الموتى هو بعث في نفوسهم الحياة الفكرية والإيمانية وتفعيل طاقاتهم وإدراكهم وبعد ذلك كتابة ماقدموا وآثارهم ، ولذلك أتت كلمة (نكتب) فعل مضارع.

{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }الأحقاف33

عملية إحياء الموتى المعرضين عن الحق ومعطلين طاقاتهم أمر يمكن أن يفعله الله وهو على كل شيء قدير ، وقد بعث لهم الرسل والنبيين وزرع في نفوسهم الفطرة التي تدرك الخير والصلاح وخلق لهم طاقات عقلية إدراكية يمكن أن تبعث مرة ثانية وتدب الحياة فيها فلا تيأسوا من دعوتهم إلى الحق.

وأيضاً تفهم النصوص التي تعلقت بكلمة (موتى) على موجب هذه النصوص ، والنص الذي لم نفهمه أو أشكل علينا لا يصح أن نستخدمه لنقض المفهوم ، وإنما نتركه لغيرنا أو لنزداد علماً وبعد ذلك ننزله بمكانه من المنظومة دون نقض المفهوم لكلمة ( الأموات) وكلمة (الموتى).

الأموات لايرجعون للحياة الدنيا

من يموت بصورة مادية وتزهق حياته من جسمه، وتتوفى نفسه يجمع على كلمة (أموات)، أو من يهلك جسمه ويقتل في سبيل الله فتخرج نفسه من جسده وتنتقل إلى حياة أخرى فهو ميت الجسم حي النفس ، و هذان الصنفان لا يرجعان إلى الحياة الدنيا قط ، وهذا لا يعني عجز قدرة الله عن إرجاعهم ، وإنما يعني أن الله هكذا جعل سنته في الخلق وهو ملتزم بما وضع من سنن، { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً }فاطر43 لنقرأ:

{وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ }الأنبياء95

{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ }يس31

{هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ }الأعراف53

{وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ }السجدة12

{وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ }فاطر37

{فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }آل عمران170

سنة الله في الخلق والحياة و الموت أن الذي يموت موتة مادية وتزهق حياته وتتوفى نفسه لايرجع إلى الحياة الدنيا ، وكذلك من خرج من الحياة الدنيا بطريقة ما مثل القتل في سبيل الله أيضاً لايرجعون للدنيا .

فأي نص يستخدم كلمة الأموات فهي تدل على الموت المادي ، وأي نص يستخدم كلمة (الموتى) فهو يدل على الموت المعنوي.

وصلنا الآن لتدبر النص: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ }{فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }البقرة72-73

بناء على قرينة أن الأموات لايرجعون، ومجيء في النص كلمة (الموتى) المتعلقة بالموت المعنوي، وأن الرجل تم إحيائه، وهذا لايكون للميت مادياً في الدنيا، مما يدل على أن القتل له ليس بالمعنى المادي، وإنما بالمعنى المعنوي، نحو فقد ذاكرته أو إصابته بمرض نفسي شديد مثل الانفصام بالشخصية أو فقدان الوعي مما أدى إلى توقف فاعليته الواعية ، والضرب له ببعض أجزاء البقرة ليس بالمعنى السطحي الذي يتعلق بلسانها أو فكِّها مثلاً ، فهذا لايوجد فيه أي سنة للإحياء المعنوي ، مما يدل على أن كلمة اضربوه ببعضها – وهو إيقاع شيء على شيء يترك فيه أثراً – تجاوز هذا  المعنى السطحي إلى معنى أعمق يتعلق ببنية البقرة مثل مخ العظام وماشابه ذلك دون دمها لحرمته، والضرب به هو عملية حقنه في الجسم بمكان ما، وهذا يقتضي من العلماء دراسة هذا الأمر والقيام بتجارب كثيرة لمعرفة المادة التي ضُرب بها، وما هو نوع القتل الذي أصاب الرجل معنوياً فأفقده فاعليته الواعية، {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20، وللعلم أن الرجل لم يعد لحالة الموت، والسياق للنص يدل على أنه بقي معافى من القتل الذي أصابه ورجع لفاعليته ، فالقرءان لم يذكر أنه رجع للموت، وإنما التلمود اليهودي هو الذي ذكر هذا، وتم دس تلك التفاصيل تحت ظلال القرءان.

وهذا تدبر قرءاني منطقي لساني وليس نهاية أو سقف لمفهوم الحدث، فالتدبر مازال متاحاً لكل باحث ومتفكر ومتدبر بالقرءان.