الفرق بين صيغة التحريم وصيغة النهي في التشريع

إن الدارس لأسلوب التشريع في القرآن يجد أن الشارع تارة يستخدم كلمة التحريم نحو قوله تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ..} (النساء 23)، وتارة أسلوب النَّهْي عن الفعل، نحو قوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } (البقرة 222).

فهل كلّ حرام مَنْهيّ عنه، وكلّ مَنْهي عنه حرام؟

لنرَ ذلك من خلال دراسة الآيات التشريعية:

قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ } (الأنعام 152).

فهذا النصّ نهي عن الاقتراب من مال اليتيم، وهذا النَّهْي جاء بسياق النصّ الذي يتلو المحرَّمات؛ وهو قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ..} (الأنعام 151)، فيكون الحرام ضمن المَنْهِيَّات ضرورة.

قال تعالى{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ …} (البقرة 222). 

فهذا النصّ واضح في النَّهْي عن جماع المرأة أثناء المحيض، والوقوع بهذا الفعل يكون وقوعاً بالمحظور الشرعي، الذي يترتَّب عليه الإثم، ولكنه ليس من دائرة الحرام؛ فنصل إلى أنه لا يُشترط في المَنْهي عنه أن يكون من دائرة الحرام.

والنَّهْي يمكن أن يدخل في دائرة التحريم؛ نحو: أكلِ مالِ اليتيم، ويمكن أن يبقى خارج دائرة التحريم ضمن دائرة المَنْهِيَّات، نحو النَّهْي عن جماع المرأة أثناء المحيض.

إذاً؛ كلّ حرام مَنْهي عنه ضرورة، ويترتَّب على فعله الإثم، وكلّ مَنْهي عنه لا يُشترَط فيه التحريم؛ لإمكانية خروجه من دائرة التحريم إلى دائرة المَنْهِيَّات، و يترتَّب على فعله الإثم أيضاً.

فيوجد في التشريع دائرتان:

الأولى: دائرة التحريم، وتكون هذه الدائرة ضمن دائرة المَنْهيات، التي هي أكبر وأوسع من دائرة التحريم، ومتضمّنة لها، وكلّ الأمور في الدائرتَيْن فعْلُها غير مباح، ويترتَّب الإثم على مَنْ يفعلها، فما الفرق بين الحرام والمَنْهي عنه في التشريع؟

إن الدارس للآيات المتعلّقة بالحرام يجد أن حُكْمها أبديّ، غير قابل للفتح، أو السماح بممارسته، إلَّا بإذن شرعي عيني، نحو: السماح للمضطرّ بتناول الميتة؛ بقوله تعالى {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (البقرة 173)، وما سوى ذلك فمُغلق غير مسموح بفَتحه، ولا بأيّ شكل، ومن هذا الوجه يظهر خطأ تطبيق قاعدة: (الضرورات تُبيح المحظورات) على دائرة المُحرَّمات؛ فهل هناك ضرورة لنكاح الأمّ، والمحارم؟! وهل هناك ضرورة لقَتْل الإنسان البريء؟! وهل هناك ضرورة لأَكْل مال اليتيم؟! وهل هناك ضرورة لأنْ يكون الإنسان مُرابياً؟!

أمَّا دائرة النواهي، نحو النَّهْي عن جماع المرأة أثناء المحيض، والنَّهْي عن تناول الخمر، وتعاطي الميسر؛ فهذه الأشياء لا شكَّ بعدم إباحتها، ولا شك أن الإثم يترتَّب على فاعلها، ولكنَّ هذه الأشياء خارج دائرة الحرام، وهي في دائرة النواهي، والفرق بينهما يكمن في أن دائرة النواهي يمكن فَتْحها من قِبَل الإنسان، إنْ تعرَّض للهلاك والخطر، وفي هذا الموضع تأتي صحَّة ممارسة القاعدة الكُلِّيَّة (الضرورات تُبيح المحظورات)، فهي محصورة بدائرة النواهي، دون دائرة المُحرَّمات، والضرورات تُقدَّر بقدرها، ولهذا الفرق والتمييز بين الدائرتَيْن، من حيث التعامل، لم يستخدم الشارعُ كلمةَ التحريم للنَّهْي عن الخمر، والميسر، والجماع للمرأة أثناء المحيض، وما شابه ذلك من المَنْهيات، ومن هذا الوجه، لم تأت مادة الخمر ضمن آية تحريم المطعومات: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (الأنعام 145)؛ لأنها من المَنْهيات، وليست من المُحرَّمات، وبذلك يظهر لنا دلالة حرف (إلا) المسبوق بنَفْي، في نصّ المطعومات، وأنه يفيد الحصر لما جاء بعده، وغير قابل لزيادة أيّ شيء عليه، ممَّا يُعطى له حُكْم الحرام من الأمور، ومن هذا الوجه زال الإشكال عن مسألة الخمر، ولماذا انفردت بنصّ وحدها، غير نصّ تحريم المطعومات، وظهر لنا صحّة إغلاق نصّ تحريم المطعومات على ما ذُكِرَ فيه فقط، وظهر لنا أن الخمر من دائرة المَنْهيات، وليس من دائرة المُحرَّمات، وكلاهما إثم، ومعصية.