عدم تحريم الخمر لايعني إباحتها
عند دراسة موضوع حُكْم الخمر في الفقه الإسلامي يجد الباحث أن الفقهاء قد تناولوا أربع آيات من النصّ القرآني، ظنَّاً منهم أن محلّها جميعاً هو مادة الخمر، واستعانوا بالتراث، وبمنطق أن الشرع ينتقل في التشريع من الجزء إلى الكلّ، مع زيادة إيضاح في نصٍّ جديد، لم يكن سابقاً موجوداً في النصّ السابق، وبناء على هذا؛ رتَّبوا الآيات الأربع بشكل تسلسلي؛ للوصول إلى آية الاجتناب، التي جاءت – حسب رأيهم – بدلالة التحريم صراحة، وبالتالي؛ تكون النصوص التي قبلها منسوخة بشكل جزئي، وليس كُلِّيَّاً، كونها لم تنصّ على حُكْم التحريم، وإنما سكتت عنه، والسكوت يحتمل احتمالَيْن من إباحة، أو تحريم، فمن هذا الوجه تكون منسوخة، أو تكون آيات غير منسوخة؛ إذْ لم تأت بحُكْم الخمر أصلاً، وهي من باب التمهيد لنزول حُكْم الخمر لاحقاً.([1])
والآيات الأربع هي:
1-{وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (النحل 67).
2-{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ } (النساء 43).
3-{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } (البقرة 219).
4-{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } (المائدة 90–91).
قبل نقاش دلالة الآيات الأربع، ودفع دعوى النَّسْخ عنها، لابدّ من ذِكْر أمر على درجة من الأهمية، وهو أن النصّ القرآني حجّة بنفسه، وغير محتاج إلى مَنْ يُقوّي دلالته من الناس، سواء المجتمع الأول (الصحابة)، أم المجتمعات اللاحقة، فما يقول به النصُّ هو الصواب، وافق المجتمعَ الأول، أو خالَفَهُ، فالأمر سواء، فَفَهْمُ الناس للنصِّ القرآني في أيّ زمن ليس حجّة، وغير مُلزم لأيّ مجتمع لاحقٍ، فالحجّة في النصّ نفسه، وما يدلّ عليه، لذا؛ من العجب والغرابة أن بعض الفقهاء يجعل الحديثَ النبويَّ حجّةً بنفسه في العقائد والأحكام([2])، ولا يبالي بمخالفة جمهور علماء المسلمين، ولا دلالة النصّ القرآنيّ، إذا رأى أن النصَّ النبوي يدلُّ على مفهوم معيَّن، فيأخذ به، ويقضي على دلالة النصّ القرآني، ويضرب بعَرْض الحائط قولَ وفَهْمَ جمهور علماء المسلمين، وممارسة مجتمع الصحابة([3])، ويبرّرون ذلك بأن الله تعبَّدنا، وأمرنا، ونهانا بالنصّ، ومدلوله، وليس بفَهْم الرجال، كما أنّ النصّ محفوظ بخلاف فَهْم الرجال، فهو ليس كذلك؛ لأنه ليس من الوحي في شيء، والحديث النبوي قاضٍٍ على النصّ القرآنيّ([4]).
فالنصُّ القرآني أَوْلى بذلك التعامل، بل هو الصواب، فالنصّ القرآني حجّة بنفسه، ووحي محفوظ دون خلاف، وله صفة الخاتمية، التي تقتضي أنه نصٌّ عالميٌّ، إنسانيٌّ، مستمرٌّ، غيرُ مرتبطٍ بأيّ زمانٍ، أو مكان، وبالتالي؛ فالحجَّة بالنصِّ القرآني، وما يدلُّ عليه، وليس بالحَدَث الذي وافق زمن نزول النصّ، وليس بفَهْم المجتمع الأول، الذي بدأ نزول النصّ فيه، ومن بابٍ أَوْلى فَهْم المجتمعات اللاحقة.
فالنصّ القرآني وما يدلّ عليه حجّة بنفسه، ولا قيمة لحديث نبوي من الناحية البرهانية، أو فَهْم وتطبيق مجتمع الصحابة لشكل من الأشكال التي ارتضوها لأنفسهم، وكذلك فَهْم المجتمعات اللاحقة، وتطبيقها ، فكلّها تسقط أمام النصّ القرآني، ودلالته، ويقضي عليها؛ لاستمرار عطاء النصّ القرآني، وظهور صلاحيته لكلّ زمان، ومكان، ولذلك قال العلماء: (العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب).
لنأتِ – الآن – لنقاش الآيات الأربع:
النصّ الأول:
-{وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } (النحل 67).
أولاً: إنّ هذا النصّ هو نصّ خبريّ، وحسب شروط النَّسْخ لا يمكن أن يتمَّ نَسْخ النصّ الخبريّ؛ لأن ذلك لو حصل للزم منه كذب الخبر ابتداءً من المُخبر، والنصُّ القرآني مُنزَّه عن هذا.
ثانياً: إن النَّسْخ – كما قال العلماء – إنما هو متعلِّق بنصّ أتى بحُكْم، ومن ثمَّ؛ جاء نصّ لاحق أزال الحُكْم القديم بحُكْم جديد للأمر نفسه، وهذا الكلام غير مُتحقِّق بهذه الآية؛ لأنها لم تأت أصلاً بأيِّ حُكْم، فالنصّ يدلّ على نِعَمِ الله، ومِنّتهِ على خَلْقه فيما خَلَقَ لهم، وجعل ذلك آية للتفكُّر، والتعقُّل.
ثالثاً: إن النص جاء بكلمة (سَكَراً)، ولم يأت بكلمة (خمراً)، وهناك فرق كبير بين دلالة الكلمتَيْن: فكلمة (سَكَراً) أصل واحد، يدلُّ على حيرة.«مقاييس اللغة».
وكلمة (خمر) أصل واحد، يدلُّ على التغطية. «مقاييس اللغة».
فحرف السين والكاف يدلان على حَبْس الشيء، والتضييق عليه، وضمّه إلى بعضه، وما شابه ذلك، ويأتي الحرف الثالث المضاف لكلمة (سك) ليُحدّد طبيعة، واتجاه، وصفة، ومآل الحبس، والتضييق في واقع الحال.
انظر مثلاً:
كلمة (سَكَن) تدلّ على الاستقرار والثبات، بعد أنْ كان هناك اضطراب وحركة.
كلمة (سكب) تدلّ على إسالة شيء، ليتجمّع في مكان آخر حسب الشكل الذي تمَّ السكب فيه، وواضح من ذلك دلالة التضييق والحبس للشيء المسكوب في مكان آخر.
كلمة (سكت) تدلّ على امتناع وحَبْس الكلام، وواضح من دلالتها التضييق والحبس للكلام في فم المتكلّم؛ بحيث يمنع نفسه من الكلام.
ونأتي الآن لكلمة (سَكَر) فنلاحظ أنها انتهت بحرف (الراء) الذي يفيد الحركة والتكرار، ومن هذا الوجه ذكر أهل اللغة أنّ دلالةَ (سَكَر) هي الحيرة؛ وذلك من تفسير الشيء بأهم ما فيه ومآله في الواقع، انظر مثلاً:
كلمة (السِّكْر) وهي الحاجز والمانع للماء من الاستمرار بالسير، وإذا وضع السِّكْر في طريق الماء، جعل الماء يتخبَّط في بعضه حيرة، مع منعه، والتضييق عليه في مكانه.
وانظر – أيضاً – لقوله تعالى: {لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } (الحجر 15).
فالأبصار جمع بصر، وهي صفة تُطلَق على العاقل فقط، والمقصود بها الرؤية المُؤسّسة على الوعي والعقل، فتكون دلالة كلمة (سُكِّرَتْ) في النصّ هي أنه تمَّتْ ممارسة نوع من أنواع المنع والتغطية للبصر؛ بحيث أصبح هذا الرجل في حيرة وتخبّط من أمره، لا يستطيع التفكير بالأمر، والحُكْم عليه بشكل صواب.
وسُمِّي الشراب (سَكراً)؛ لأنه يتمّ حبسه، والتضييق عليه، عندما يتمّ عصره، أو استخراجه من مصدره؛ حيث يتخبّط بعضه ببعضٍ تخبّطاً يجعله في اضطراب وحيرة، في المكان الذي يستقرّ فيه.
وبناءً على ذلك؛ تكون دلالة الآية المعنية: (تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً)؛ أيْ: تتَّخذون من ثمرات النخيل والأعناب شراباً طيباً، ورزقاً تقومون بالتجارة فيه صنعاً وبيعاً فيما بينكم. فالآية لا علاقة لها – أبداً – بحُكْم الخمر، لا من قريب، ولا من بعيد، وبالتالي؛ سقطت دعوى النَّسْخ لها من أساسها.
النصّ الثاني:
-{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ } (النساء 43).
الوجه الأول: إن جملة (لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى) ليست آية، وإنما هي جملة وجزء من آية، كما هو ملاحظ، وبناء على شرطهم أن النَّسْخ لا يكون إلا لآية؛ استدلالاً بقوله تعالى {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (البقرة 106) لا يصحّ ادّعاء نَسْخ هذه الجملة.
الوجه الثاني: إن النصّ يتكلّم عن حالة السُّكر، وليس عن المخمور نتيجة تناوله مادة الخمر، ولو أن ذلك متضمّناً في فحوى دلالة النصّ؛ لعموم دلالة كلمة (السُّكر)، فما هي دلالة النهي عن إقامة الصلاة بالنسبة للإنسان السكران؟
لقد مرّ – آنفاً – دلالة كلمة (سَكَر) التي تدلّ على منع وتضييق، يترتّب عليه حيرة واضطراب، وهذه الحالة إنما هي شعور يصيب الإنسان من جرّاء تعرُّضه لحادث معين، أو تناوله لشيء ما، فممكن أن يصاب الإنسان بالاضطراب والحيرة في تفكيره، نتيجة تعب وسهر شديدَيْن، ممَّا يؤدّي إلى حالة السُّكر، ويصبح يهذي بكلام غير مسؤول عنه؛ لأنه صدر من غير وعي، فإذا وصل الإنسان إلى هذه الحالة، نهاه الله – عزّ وجلّ – عن إقامة الصلاة، وذلك لفقدانه المسؤولية عن ما يصدر منه، فلذا؛ جاء تتمَّة النهي بالتعليل له بقوله:( حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ).
وكما ذكرتُ، فإن هذه الحالة موجودة في الجنس البشري، ومستمرّة، وقد تكون من جراء تناول مادة الخمر، فالحُكْم واحد، وهو النَّهْي عن الاقتراب من الصلاة، بالنسبة للإنسان السكران؛ حتى يفيق من سَكْرته.
والنصُّ لا يوجد فيه دلالة على إباحة حالة السُّكْر، أو تحريمها ؛ لأن ذلك قد يصيب الإنسان رغماً عنه من جرَّاء سهر، أو تعب، أو من جرَّاء إدمانه على شرب الخمر، ويصير مُبتلى بذلك، فماذا يصنع بالنسبة لإقامة الصلاة؟
فيكون الجواب الإلهي: (لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى)، فإنْ كنتم سكارى، نتيجة تعب، أو سهر، وما شابه ذلك، فـ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ ؛ حتى تذهب عنكم حالة السُّكر، وذلك بالراحة، أو النوم، ومن ثَمَّ؛ أقيموا الصلاة، وأنتم في كامل وعيكم، وإنْ كنتم سكارى، نتيجة تعاطي مادة الخمر، أيضاً؛ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ ، وحيث إن الصلاة واجبةٌ على المؤمنين، ممَّا يعني أنه سوف يترك تناول الخمر نهائياً، وإنْ كان مُبتلى بها، مدمناً عليها، فسوف يُنظِّم تناوله للخمر بما يتناسب مع الحفاظ على إقامة الصلاة في وقتها.
فالنصُّ لا يتكلَّم عن حُكْم تناول مادة الخمر أبداً، لا من قريب، ولا من بعيد، وبالتالي؛ سقط الادعاء بنَسْخ هذه الجملة من الآية الكريمة؛ لأنها تتكلَّم عن موضوع عام لحالة السُّكْر، أمَّا تطبيق المجتمع الأول لهذه الجملة بشكل معين نتيجة انتشار ظاهرة السُّكْر من جرَّاء تعاطي الخمر والإدمان عليها؛ فليس ذلك قيداً لها في دلالة محدّدة؛ وإنما يبقى النصّ على عمومية دلالة حالة السُّكْر، لاسيما و أن النصّ القرآني نصٌّ خاتميٌّ مُستمرّ عبر الزمان والمكان.
النصّ الثالث: -{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } {فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } (البقرة 219–220).
أول شيء يجب ملاحظته في النصّ أنه يحتوي على سؤالَيْن، فإذا كان الأول منسوخاً وجب نَسْخ الثاني كونه في بنية النصّ نفسه، وقد ثبت لدينا أنه على فرض إمكانية وقوع النَّسْخ فمحلّه النصّ كاملاً بدلالة{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } (البقرة 106).
ولا يمكن نَسْخ جزء من آية لانتفاء اسم الآية عنها، هذا جانب للمسألة.
أمَّا الجانب الآخر؛ فإن النصّ قد انتهى بجملة (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) المرتبطة بالنصّ الثاني مباشرة من حيث الدلالة، وهو: (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى)
فادّعاء نَسْخ النصّ الأول يلزم منه نَسْخ النصّ الثاني؛ لارتباطهما ببعضهما في وحدة الموضوع، وتتمَّة السؤال والتعليم.
الوجه الثالث:
بما أن النصّ مرتبط بالنصّ الذي بعده، صارا بهذه الصفة نصَّيْن متماسكَيْن، وبالتالي؛ فإن النَّسْخ لا يمكن أن يأتي لكلَيْهما معاً؛ لأن النصَّ الذي قيل عنه إنّه ناسخٌ، تناول موضوعاً واحداً فقط، من أصل ثلاثة مواضيع موجودةٍ في النصَّيْن مبدوءة بكلمة: (وَيَسْأَلُونَكَ).
الوجه الرابع:
إن السائل إذْ يسأل عن أمر، فإنه ينتظر جواباً كاملاً شافياً لما سأل، ولاسيما إنْ كان السؤال ممّا يتعلّق بحُكْم شرعي، فلا شك أن الشارعَ سوف يأتي بجواب صادقٍ كاملٍ شافٍ { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً } (النساء 122).
وهذا ما حصل فعلاً بسؤال الناس، وجواب الشارع، فجاء جواب الشارع كاملاً شافياً صادقاً لا يحتاج السائلُ بعده إلى أيِّ تفسير، فقوله تعالى:( فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ )، والإثم هو البطء والتأخّر، وسُمّي الذنب والمعصية إثماً؛ لأنه يؤخّر صاحبه عن الثواب والخير والعمل الصالح.
قال تعالى: { وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } (النساء 48).
وقال تعالى: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ }البقرة276
فتكون دلالة جملة (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ) تدلّ على أن تعاطي الخمر والميسر ذنب كبير، ويترتَّب عليه الإثم لما فيهما من الضرر الكثير، وإن وصف الشيء بذلك، فيفهم السائل قطعاً أن الضرر فيه أكثر من النفع ضرورة، بدليل مجيء كلمة (كبير) بعد كلمة )إثم)، ولو سقطت كلمة (كبير) من الجملة لاحتمل تساوي نسبة الضرر والنفع، ولم يُعرَف أيهما يغلب على الآخر، وبالتالي؛ وجب مجيء جملة أخرى لتُحدّد المقصد، ولكنْ؛ بمجيء كلمة (كبير) تمَّ فَهْم المقصد أن الضرر أكثر من النفع، وكون الشارع قد استخدم كلمة (إثم كبير)، ولم يستخدم كلمة (ضرر كثير)، ممَّا يدلُّ على أن دلالة الضرر الكثير مُتضمَّنة بكلمة إثم كبير)؛ لأن الإثم وَصْف لسلوك الإنسان الواعي عندما يتعاطى عملاً يترتَّب عليه الفساد والضرر، فجواب الشّارع (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) إنما هو جواب متعلّق بتعاطي الخمر والميسر، وهذا الإثم الكبير نتيجة الفساد والضرر الكثير الموجود في الخمر والميسر، فكان الجواب الإلهي كافياً شافياً، وقد بيّن بجوابه مسألتَيْن:
الأولى: إن الخمر والميسر ضررهما أكثر من نفعهما.
الثانية: النهي عن تناول الخمر وتعاطي الميسر لما يترتَّب عليهما من إثم كبير.
أمَّا قوله تعالى:( وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) ، فقد جاءت تتكلّم عن موضوع آخر غير متعلّق بدلالة الجملة الأولى؛ لأنها لو كانت متعلّقة بها لأصبحت حشواً وتكراراً لا معنى له، ولم يضفْ أيّ دلالة في الجواب؛ لأنه بالجواب الأول ( فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) تمَّ معرفة أن الضرر والفساد أكثر من النفع، وأن تناول الخمر وتعاطي الميسر إثم كبير، وبالتالي؛ يجب الانتهاء عن فعل ذلك، فماذا أضافت جملة (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) بالنسبة للسائل، الذي علم من الجملة الأولى حُكْم تناول الخمر، وتعاطي الميسر؟
لقد أضافت دلالة أخرى يحتاج إليها الناس، وهي صناعة وتجارة الخمور ورواج وتسهيل وإقامة أماكن لتعاطي الميسر، فجاء الجواب الإلهي (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) فيهما تحقيق للربح، والحصول على الثروة من جرّاء ذلك، ولكنْ؛ ما يترتّب على ذلك من فساد وضرر في المجتمع ينتج عنه إثمٌ أكبر يصيب الناس من جرَّاء فعل ذلك، فجاء قوله تعالى:( وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) ليدلّ على ذلك.
إذاً؛ النص بيانٌ شافٍ وكافٍ في حُكْم تناول الخمر والميسر بالنسبة للفرد، وحُكْم صناعة وتجارة الخمر، ورواج وتسهيل الميسر بالنسبة للمجتمع.
وبذلك ظهر لنا وهمية ادّعاء نَسْخها من قِبَل أيِّ آية أخرى؛ لأنها هي نصّ في بيان حُكْم الخمر والميسر، وهي جواب سؤال، ويستحيل أن يتمَّ نَسْخ الجواب؛ لأن ذلك يقتضي كذبه، أو قصوره ابتداءً.
النصّ الرابع:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } (المائدة 90–91).
إنّ هذا النصّ خطاب للمؤمنين، وهو خطاب تعليمي وتوجيهي، وليس تشريعاً، فهو لم يأت بحُكْم الخمر والميسر؛ لأنّ حُكْمهما منصوص عليه في النصّ السابق {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا }البقرة 219 ونلاحظ في النصّ وجود وصف لـ الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ بأنّها رجس من عمل الشيطان، والرّجس هو: اختلاط الخبيث بالطّيّب، لدرجة غلبة الخبيث عليه، والعجز عن فصله من الشيء.
والأمر بالاجتناب مُوجَّه في النصّ إلى عمل الشيطان، فما هو عمل الشيطان؟
إنّ المجتمع الإسلامي – بطبيعة الحال – لن يقوم بصنع الخمر، وترويج الميسر، والذي يقوم بذلك إنّما هو الشّيطان، ويحاول أن يدخل ذلك إلى المجتمع الإسلامي مستخدماً الأنصاب، وهي جمع نصب، وتعني: إقامة الشيء وجعله هدفاً، فيقوم الشيطان بإقامة نصب في المجتمع الإسلامي، يقومون بتسهيل عمله، إضافة إلى إقامة رموز عالمية، تدعو إلى الشيطان، وتمجيده.
أمَّا الأزلام ؛ فهي جمع زَلَم، وتدلُّ على نحافة، ودقّة، وملاسة، فيقوم الشيطان مستخدماً أسلوب الخداع والمراوغة من خلال ترويج ما يريد بأسلوب سهل ولين، يحاكي به الشهوات، ابتداءً من شهوة الفرج إلى شهوة المعدة، فيعتمد على جنس النساء في ترويج ما يريد.
هذا هو عمل الشيطان، فجاء الأمر الإلهي باجتناب عمل الشيطان، وعدم التعاطي معه، وعلَّل ذلك بأن الشيطان يريد أن يُوقِع العداوة والبغضاء بين المؤمنين من جرَّاء السماح، والترويج، بتعاطي الخمر، والميسر، ويقوم بصدّكم، ومنعكم عن تطبيق شرع الله؛ لأن ذِكْر الله إنما هو الامتثال لأمره، كما قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } (الرعد 28)؛ أيْ بامتثال المجتمع لأمر الله، وشرعه، ينتج عنه – في الواقع – استقرار وأمن للمجتمع، وكذلك يقوم الشيطان بعملية صدّ المجتمع عن صلته بالله؛ لأن المجتمع يستمدّ قوته من خلال صلته بالله عزّ وجلّ؛ لأن هذه الصلة تجعل مفهوم اليوم الآخر قائماً مُستحضَرَاً في ثقافة المجتمع، وهذا المفهوم يُشكِّل خطراً عظيماً على الشيطان، وأخيراً؛ يُنهي الشارعُ خطابَهُ بسؤال استفهامي استنكاري(فهل أنتم منتهون) يقصد به الأمر بالانتهاء عن التعامل مع الشيطان، واجتناب ألاعيبه، ومقاطعته، فالنصّ دعوة لمقاطعة الشيطان، وعمله، ولكلّ زمان شياطين، ودعوة إلى المحبّة والتسامح والسلام بين المؤمنين، والامتثال لأمر الله من خلال إقامة ذِكْره
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } (الحجر 9).
الخلاصة:
إن الخمر شاملة لكلّ ما يتحقّق به صفة التغطية للعقل، وغياب الوعي عن الإنسان، من أثر تعاطي المخدّرات، أو الأفيون، وما شابه ذلك، والميسر هو القمار، وله في الواقع صور لا متناهية، ينتج عنها في النهاية أكل أموال الناس بالباطل، فيقوم الشيطان بإقامة المؤسّسات، واستخدام الجنس لاستعباد المجتمعات الإنسانية، من خلال تغطية عقولهم، وجعلهم مدمنين على المادة التي تُغطّي العقل، ونشر القمار بينهم لجعلهم فقراء عاطلين عن العمل، فينتشر الفساد، والبطالة، والإجرام، والعداوة، والبغضاء، وهذا هو الواقع الشيطاني، يشهد على ذلك؛ فالخم، والمخدّرات، والقمار، والجنس، والأنصاب التي يقيمها الشيطان، وتدعو له، وتمجّده، وتشرف على عمله؛ هي آفة المجتمعات الإنسانية.
والحلّ هو {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } (المائدة 91).
فإن اجتنبتُم عملَ الشيطان، وانتهيتُم عن علاقته، فسوف تُفلحون في إقامة مجتمع قائم على المحبة، والسلام، والتسامح، ولا سبيل لذلك إلَّا بمقاطعة الشيطان، وعمله، فهل أنتم فاعلون ذلك، ومدركون ألاعيب الشيطان؟!.
فالنصُّ المَعني لا يُبيِّن حُكْم تناول الخمر، والميسر، وإنما هو نصّ تعليمي وتوجيهي للمجتمع المؤمن بمقاطعة الشيطان.
( ([1]راجع كتابي (الآحاد النسخ الإجماع دراسة نقدية لمفاهيم أصولية).
([2]) رسالة للألباني: حديث الآحاد حجّة بنفسه في العقائد والأحكام.
([3]) قول الألباني في رسالة (آداب الزفاف) بتحريم الذهب المحلّق على النساء، رغم أن النصّ القرآني قد أباح ذلك، بدلالة الآية (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)، وجمهور علماء المسلمين ومجتمع الصحابة على إباحة ذلك للنساء، فتأمَّل هذا التطرُّف من جرَّاء قلب فَهْم الأمور.
([4]) لقد بيَّنتُ في كتابي (تحرير العقل من النقل) بطلان هذه المقولة، وأثبتُّ أن النصَّ القرآني هو الأصل، أمَّا الحديث النبوي؛ فهو ليس وحياً أصلاً ، ونتعامل معه على ضوء القرآن، ومعطيات الواقع.
اضف تعليقا