جملة
(يوصيكم الله في أولادكم..) لا علاقة لها بالميراث
{يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا } (النساء11)
يبدأ النص بطلب فعل توجيهي (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ) والخطاب للشخص الحي وليس للميت، وأن يقوم الشخص نفسه بحياته عن طيب خاطر بالعناية بأولاده خيرًا، فهل يُعقل بعد طلب الوصية من الشخص سلبه هذا الحق والقيام عنه بتقسيم الأنصبة وتغافل طلب الوصية؟ وهل تقسيم الأنصبة بين الورثة هو من صلاحية الشخص واختياره أم حكم شرعي أتى النص به لا رأي للشخص بذلك؟
الأمر الثاني كيف يوصي المشرع بالأولاد وهي كلمة تشمل النوعين الذكر والأنثى ويتبعها مباشرة بتمييز الذكر على الأنثى؟
وفي الجملة المعنية أتى استخدام كلمة (الحظ) التي تعني استحقاق الشخص للعطاء، وهي غير كلمة (النصيب) التي تأتي لأنصبة المواريث، كما أنه أتت كلمة(الذَكَر) في جملة الوصية بينما في المواريث نجدها تدور على كلمة النساء، فهل هذا الاختلاف الواضح بين الموضوعين لا قيمة له؟
إذن؛ كلمة (الوصية) كخطاب تتعلق بحي، ودلالة كلمة (الأولاد) تشمل النوعين الذكر والأنثى، ومجيء كلمة (الحظ) ونفي التناقض المنطقي عن صياغة الخطاب، دليل على أن هذه الجملة لا علاقة لها بالمواريث والأنصبة، وأتت الجملة الثانية استئنافية(فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) لتبدأ موضوع جديد لا علاقة له بما سبق وهو تحديد أنصبة الورثة من التركة بدليل كلمة(ثُلُثَا مَا تَرَكَ).
إذن؛ القسمة للميراث ليست وصية، ولا علاقة للمتوفى بتحديد أنصبتها فهي فريضة من الله ولا يتدخل بها المتوفى، {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا } (النساء7)، مما يدل على أن جملة (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) لا علاقة لها بالميراث بالنسبة للأولاد، وإنما هي وصية من الله موجهة للشخص الحي نفسه ليقوم بالعطاء لأولاده على وجه الدعم والمساعدة لهم بحياته وبإشرافه، وذلك بدليل مجيء كلمة (الحظ) بدل كلمة (النصيب)، وغياب كلمة (الذكر والأنثى) من سياق قسمة المواريث ومجيء بدلها كلمة (النساء) التي يقابلها كلمة (الرجال)، ولو كان محور قسمة الميراث الذكر والأنثى لوجب منطقيًّا أن تستمر كلمة الأنثى في السياق وخاصة أنها مستخدمة بدل كلمة النساء، ويصير النص بعد إسقاط كلمة (يوصيكم) من بدايته ووضع بدل منها ما يدل على الأمر والفرض بصيغة (فرض الله قسمة تركتكم بعد موتكم للذكر مثلي نصيب الأنثى فَإِن كُنَّ إناثًا فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) وبالتالي يصير فهم التراث صوابًا، ولكن بمجيء كلمة (الوصية والحظ) صارت الجملة هذه لا علاقة لها بالمواريث، وانتقل إلى موضوع الميراث بدليل مجيء كلمة (النساء) وكلمة ( ما ترك) لتدل على أن الإنسان توفي، وحرف الفاء في كلمة (فَإِن كُنَّ) هو استئنافي وليس عطفًا على ما سبق، ودل النص على أن الكلام يتعلق بحالة الوفاة وقسمة الورثة كلمة (فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ)، ومجيء الوصية والميراث بنص واحد لاشتراكهما بموضوع العطاء والثروة وحض المشرع على الوصية قبل الوفاة والميراث.
والأدلة على فهمي هذا هي:
1- الأصل في تشريع الله أنه إنساني وليس نوعيًّا، فلا يوجد تشريع للذكر وآخر للأنثى إلا ما تعلق بالاختلاف الوظيفي الفيزيولوجي بينهما أو ما نص عليه صراحة لأحدهما دون الآخر.
2- خطاب الوصية يتعلق بكائن حي وهو طلب فعل توجيهي وتعليمي له، بينما قسمة الميراث فريضة من الله لا علاقة للمتوفى بها.
3- دلالة كلمة (يوصيكم الله في أولادكم) تعلقت بالأولاد بصرف النظر عن نوعهم التناسلي، وهذا يؤكد أن كلمة (الذكر) وكلمة (الأنثيين) ليس المقصد بهما النوع التناسلي وإلا حصل تناقض مع طلب الوصية بالأولاد عمومًا، ومن ثم قام المشرع نفسه بالتفريق بين الذكر والأنثى.
4-لا يشترط لدلالة كلمة الذكر والأنثى أن يتعلقا بالنوع التناسلي كما ذكرت سابقًا.
5- كلمة (الحظ) لا تعني نصيب، وتُستخدم كلمة النصيب لقسمة المواريث.
6- غياب كلمة الأنثى في سياق قسمة المواريث وحلول بدل منها كلمة النساء، وهذه النقلة تدل على تغير محور الرؤية عن حالة الوصية المتعلقة بمقام الذكر والأنثى إلى حالة الميراث المتعلق بمقام الرجال والنساء (إذا اختلف المبنى اختلف المعنى).
7- إن كانت الورثة تقوم على النوع التناسلي فما هو نصيب الخنثى والمُحَوّل جنسيًّا؟.
8-كلمة النساء جمع امرأة أو جمع نسيء، والسياق ومحل تعلق الخطاب يحدد المقصد منها، ومن درس المواريث عدَّها جمع امرأة كما هو شائع، والمرأة هي أنثى بالغة، مما يعني أن الطفلة الأنثى ليست امرأة، وبالتالي خرجت من جمع كلمة النساء في الميراث بموضعين في حالة الأولاد (فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) وفي حالة الإخوة (وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاء)، وهذا الكلام يشمل الأولاد الذكور الأطفال أيضًا لأن مقابل كلمة النساء كلمة الرجال وهي لا تشمل الأطفال، وهذا لازم لفهمهم، ولكن مع ذلك أغفلوا تلك النقطة حين التطبيق وتجاهلوها وشملوا البنات في كلمة النساء، والأطفال الذكور في كلمة الرجال ضمنًا رغم أنهم يرفضون ذلك ابتداء، لأنهم إن طبقوا مفهوم كلمة النساء كجمع لكلمة امرأة (أنثى بالغة) لا تشمل البنات، وكذلك إن طبقوا مفهوم كلمة الرجال جمع كلمة رجل وهو الذكر البالغ عندهم حصرًا يخرج من الميراث الأطفال الذكور والإناث، فمرروا الأطفال بصمت حتى يشملهم الميراث!
9- مجيء كلمة (الرجال والنساء) وكلمة ( الذكر والأنثيين) في حالة قسمة الإخوة (وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)، أين نصيب الأطفال من الإخوة؟ ولماذا هذا التنوع في الكلام والانتقال من حال إلى حال إذا معنى الرجال هو الذكور ومعنى النساء هو الإناث؟ وحسب فهمهم كان ينبغي أن يأتي النص بصيغة (وإن كانوا إخوة فللذكر مثل حظ الأنثيين)!.
ولذلك من الخطأ جعل هذه الجملة قاعدة عامة في قسمة ورثة الأولاد خاصة والورثة عمومًا، أو جعلها حالة خاصة كعلاقة رياضية( واحد مقابل اثنتين) حيث يصير نصيب الولد الذكر مِثْلَي نصيب أخته أو أن نصيب الذكر مثل أختيه بالتساوي كل فرد يأخذ الثلث، فهذه الأفهام أتت نتيجة عد أن الجملة تتعلق بالميراث وهي ليست كذلك بصريح بدئها بكلمة (يوصيكم).
اضف تعليقا